المواطن «العادي» حسين الفضالة ... هل تذكرونه؟

تصغير
تكبير
في غمرة الفرح بالعيد وعودة الحجاج الى الكويت من الديار المقدسة. في غمرة ترقب الوضع السياسي بعد الاجازة الطويلة التي نأمل ان تكون مناسبة لاعادة الحسابات. في غمرة التحضير لاستقبال سنة جديدة تفتتحها الكويت باستحقاق مهم يعيد تكريس دورها الاقتصادي على الساحة الدولية... في غمرة ذلك كله نتذكر بحزن ان مواطنا كويتيا اسمه حسين الفضالة اختفى قبل اكثر من خمسة اشهر ولم تعرف اسرته الكريمة منذ ذلك التاريخ طعم الفرح لا بالعيد ولا بغيره.
حسين الفضالة صورة حقيقية عن وضعنا الحالي. مواطن عادي جذور اسرته ضاربة بعمق في هذه الارض. لم يعرف غير بلده موطنا ولا ولاء عنده سوى للكويت واسرة الحكم... لكنه ليس داخلا في لعبة المصالح الانتخابية ولا علاقات مباشرة له مع نواب ولا ينتمي الى احزاب سياسية وليست له مصالح تجارية مع احد المتنفذين.
حسين الفضالة خرج في رحلة صيد اعتيادية واختفى في المياه الاقليمية. بعضهم رجح ان يكون موقوفا لدى السلطات الايرانية التي نفت ذلك. بعضهم رجح ان يكون خطف من قبل قراصنة في البحر ولم يتابع احد ذلك من المسؤولين. وبعضهم رجح ان يكون هو ومن معه ضحية حادث... وايضا لم يتابع ذلك احد من المسؤولين. طبعا، فحسين الفضالة كويتي «عادي» والواجب الاخلاقي والانساني والديني يفترض استنفار كل الطاقات للبحث عنه وكشف مصير غيابه لكن المكاسب السياسية وارضاء هذا النائب او ذاك المتنفذ وابرام صفقة حكومية نيابية عناصر لا تتوافر في حالة المواطن «العادي»، ولذلك كان الاهتمام بهذه القضية تحديدا ضعيفا مقارنة بغيرها من القضايا، ولذلك كان العيد غائبا عن اسرة الفضالة وايامها مشوبة بحرقة الانتظار وقلق الترقب.

خرج في رحلة صيد ولم يعد، والجهتان المنوط بهما اساسا كشف مصيره هما وزارتا الخارجية والداخلية. وزارتان سياديتان يتولى حقيبتيهما شيخان من ابناء الاسرة. ذراعان مباشران للنظام الحاكم يديران اكثر الامور حساسية ودقة بالنسبة الى شؤون البلد والناس. ماذا فعل الوزيران حتى الآن؟ سمعنا تصريحات قليلة عن البحث والتحري والمتابعة. سمعنا عن جهود ستبذل. سمعنا اكثر تصريحات لمسؤولين ايرانيين ينفون معرفتهم بمكان وجود الفضالة. سمعنا بعض التصريحات النيابية الشحيحة... ثم خيم صمت مطبق عميق وثقيل على كل مجريات القضية جعل كل يوم بمثابة سنة لاسرة كويتية كريمة احتار كبارها في سر هذا الصمت ورفضوا ان يدفعهم الاهمال الى تغيير قناعاتهم واختصار مفهوم الدولة والمؤسسات لديهم الى انتظار على باب وزير او نائب او متنفذ.
كان اهتمام وزارتي الخارجية والداخلية اقل بكثير من المفترض في قضية المواطن «العادي» حسين الفضالة، ولنقل ان اهتمام الحكم والنظام عبر ادواته التنفيذية كان اقل بكثير من المفترض في قضية المواطن «العادي» حسين الفضالة، لسبب بسيط وهو ان النظام استمرأ لعبة الصوت العالي ولم يعد يستطيع الخروج من دائرة «اللامانع» التي ابتدأت نيابية وصارت حكومية بل وسياسة رسمية للدولة في احيان كثيرة.
نعلم ان الحوادث تقع في كل مكان وان الانسان عرضة للمخاطر لكننا نعلم ايضا ان جهود دولة قادرة مثل الكويت يجب ان تتكيف مع الخيارات المطروحة في مثل هذه القضية، اي الاستنفار الديبلوماسي اذا كانت المشكلة سياسية، وتجنيد كل الطاقات للبحث والتحري اذا كانت المشكلة جنائية وارسال فرق المسح والتقصي البحري بالاتفاق مع السلطات الايرانية لكشف مصيره.
مرة اخرى، لم يحصل ذلك لان الغائب مواطن «عادي» لم يفزع له ناشطون في ساحة الارادة، ولم تخصص اللجان البرلمانية وقتا كافيا لمتابعة قضيته، ولم تقم الحكومة الا بالحد الادنى المطلوب ومن باب رفع العتب ربما، طالما ان صياح بعض النواب يطاردها في مسائل انتخابية وتجارية اهم.
انما يبقى ان حسين الفضالة يمثل فئة من اكثر الفئات التصاقا بارضه ووطنه ومجتمعه، ومن اكثر الفئات ولاء للحكم واسرة الحكم، وربما لذلك تحديدا دفع ثمنا مزدوجا، تعرضه لحادث واهمال قضيته، على اساس انه بما يمثل ومن يمثل «معانا ومضمون في الجيب»، وعلى اساس ان «الجهد على غير المضمونين افضل» وان «التعب من اجل الآخرين قد يكون ابدى من التعب على اهل بيتنا»... هذه سنة الكثير من الامم التي كان اهمال شؤونها الداخلية سببا في تقهقرها وتراجعها، لكن الكويتيين «العاديين» لن يجنحوا الى ما جنح اليه مسؤولوهم. سيبقى انتماؤهم الى الدولة والمؤسسات اقوى باذن الله من الانتماءات الاخرى الضيقة، وسيبقى املهم كبيرا في مسيرة تصحيح كبرى لسلوكيات السلطة تعيد للمواطن اعتباره كونه مواطنا، لا لأنه من جماعة هذا النائب ولا فردا في قبيلة ولا ابنا لمذهب ولا عضوا في حزب او تيار.
والاهم من ذلك كله ان اهل الكويت «العاديين» لا يستطيعون احتراف مهنة الصياح والصوت العالي في كل مناسبة، فصوتهم يخرج مجتمعا ولمرة واحدة وفي مراحل تاريخية تأسيسية... صوتهم يخرج ليس من اجل الصياح بل من اجل التغيير والاصلاح.
اما انتم يا اهل واحباب واصدقاء حسين الفضالة فلكم منا كل المواساة والدعم والعهد بان نبقي، وبالوسائل التي نملكها، قضية الغائب حية املا في استجابة ضمائر... حية.
جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي