العار

تصغير
تكبير

ها قد حصل ما حذر منه المخلصون والعقلاء وصار في الامكان القول: «لا بد مما ليس منه بد».
ها قد رأينا تظاهرات العار في شوارعنا من قبل مجموعات، مهما قيل عن دوافعها، الا انها في غالبيتها مجموعات جائعة محرومة من ابسط مقومات الحياة... وأين؟ في واحدة من اغنى الدول النفطية، وفي مجتمع لطالما تفاخر بانه مجتمع يحرص على قيم العدل ويتمسك بتعاليم الشرع في ما يتعلق بحق الاجير قبل ان يجف عرقه.
وها هو رد الفعل الحكومي والرسمي يهدد بالويل والثبور وعظائم الامور اذا استمرت الاحتجاجات، وكأن المشكلة كمنت في التظاهر لا في اغتصاب حقوق العمال، او كأن مشكلة تجار الاقامات انفجرت بشكل مفاجئ ومن دون اي تراكمات لسنين وعقود وامام مرأى ومسمع المسؤولين كي لا نقول... وبفعل تورطهم.
لا يا سادتي الحريصين على الامن والاستقرار. لا تنظروا الى رأس جبل الجليد بل ارجعوا الى اصل المشكلة. فلا احد يرضى بان ينتهك اي انسان القوانين والانظمة لكن قنابل الغاز والعصي والدروع والاعتقال والترحيل لا تفرض امنا ولا ترسي استقرارا، خصوصا اذا كان من توجه اليه هذه الوسائل محروماً من ابسط حقوقه الانسانية ومخدوعاً متعرضاً لواحدة من ابشع صفقات السخرة البشرية. نعم انها سخرة وطمع وجشع وعبودية واستهتار بمصلحة الكويت واهلها واستقرارها قبل ان يكون استهتارا بمصلحة عامل بنغالي او هندي او فيليبيني او كوري او عربي.
بدل قمع الاحتجاجات كان يجب قمع المتورطين والمخالفين وتجار الاقامات والمتسترين عليهم والمسهلين لامورهم. هي مشكلة تاريخية مزمنة لا ندري حتى اليوم لماذا تسترت الحكومات المتعاقبة عليها رغم ان جردة بسيطة لشركات توظيف البشر الحقيقية والوهمية تظهر الكثير من الاسماء والصفقات والعمولات والمخالفات. فمن اسس شركة وهمية واستقدم على اسمها عشرات ومئات العمال ثم ترك لهم الشارع ملاذا، يتساوى مع من جلب عمالة بشروط معينة ثم منحها ربع ما تم الاتفاق عليه، ومع من احضر عمالا تقاضى منهم رقما كبيرا ثمن تأشيرة الدخول وتوافق معهم مسبقا على ان يتدبروا امورهم بانفسهم، ومع من ادعى الافلاس وترك العمال لمصيرهم، ومع من طردهم لمخالفات فبركت في توقيت مدروس، ومع من غير شروط وظروف العمل وحشر العشرات في غرف صغيرة مع وجبة طعام واحدة حاجزا الجوازات والرواتب... كله معروف ومكشوف وتحديدا في الكويت، والمسؤوليات تتحملها بالطبع الحكومات المتعاقبة التي اما ان مسؤولين فيها تواطأوا مع اصحاب هذه الشركات واما انهم اهملوا المتابعة والمراقبة والمحاسبة. وفي الحالتين، التواطؤ والاهمال، كان يجب ان يكون الحساب كبيرا وان يدفع مسؤول ما ثمن هذه الفضيحة التي بدأت في خلخلة اسس الدولة والمجتمع بعدما ظن كثيرون انها غيمة عابرة ما دام «كومار» اضعف بمراحل من كفيله، وما دامت الموجات البشرية تتجدد مع كل ظلم وكل تجاوز وكل استهتار استغلالا لفقر المجتمعات الاخرى ولحاجة العامل.
لم تعد مشكلة تجار الاقامات مشكلة اجتماعية عمالية فحسب. صارت تهديدا حقيقيا للامن القومي الكويتي، خصوصا اذا درسنا بدقة ارقام الوافدين ونسبتهم الى اعداد المواطنين. هذا الجشع لم تعد تنفع معه «شطارة» التملص. وهذا الاستهتار لم يعد مقتصرا على عملية بيع الرقيق وشرائه، وهذا التواطؤ الحكومي او الاهمال لم تعد تنفع معه التبريرات العادية التي تهدد بالضرب بيد من حديد بينما المخالفات تزداد يوما بعد يوم. وهذه الحشود المنتشرة في الشوارع لم يعد يبددها كلام من نوع ان الكويت تحترم حقوق العمال... اليوم الحشود في الشوارع وغدا «الله يستر» لان الجوع كافر والظلم كافر.
والى وزير الشؤون المكلف تفكيك هذا الملف المتفجر. نعم، قذفوا عليك كرة النار كي تبقيها بعيدة عنك لكن النار بدأت تنتشر. الدين النصيحة والنصيحة ان تلتزم منذ البداية ما يمليه عليك ضميرك فرأس الحكمة مخافة الله والرأي الصادق قبل شجاعة الشجعان. هذا الملف متورطة فيه اسماء كبيرة لا نخالك تجهلها. ابناء اسرة ووزراء سابقون ومسؤولون مرموقون واصحاب نفوذ. الحرب معهم تشبه الدخول الى حقل مزنر بألغام عنقودية، تنفجر واحدة فتفجر اخرى في مكان تعتقده آمنا. لذلك لا بد من تصميم واضح اما على مواجهة هذه المافيا المنظمة بالتنسيق مع الهيئات الاخرى المختصة واما مصارحة الرأي العام بانك تجد صعوبة في خوض هذه المواجهة لاسباب تكشفها بكل وضوح وشفافية مع ذكر الاسماء والارقام والارباح المقدرة من وراء الاتجار بالبشر، كي يعرف الكويتيون كيف اعمت شهوة المال البصر والبصيرة.
اذا واجهت يا وزير الشؤون مافيا تجار الاقامات فسيكون الكويتيون معك، واذا اعتذرت وكشفت الاسباب فسيكون الكويتيون ايضا معك لانك بكشفك للحقائق تساهم في الانتصار للبلد ولاستقراره وللمظلوم والضعيف وللشرع والقانون، وتلقي، في المقابل، بكرة النار الى جحور من اراد حرقك بها وحرق المجتمع بلهيبها... وعندها سيكون اول المحترقين من تواطأ ومن اهمل.
الامن واجب على المواطن والمقيم قبل ان يكون واجب رجل الامن، ومع ذلك فالامن الحقيقي لا يستقيم الا بالعدل والعدل اساس الملك وهو الكفيل بمحو العار الذي اصاب صورتنا وأضعف صوتنا... بعدما احتلت حشود الجوع صورة الشارع وصوته.



جاسم بودي

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي