الرأي اليوم / العميد والفضل والعياش

تصغير
تكبير
لقيت افتتاحية الأسبوع الماضي «صباح الخير يا معارضة» ردود فعل كثيرة ومتعددة، بعضهم نظر إليها من زاوية واحدة رغم أنها أخذت سطرين فقط وهي زاوية إساءة تقدير بعض الشخصيات واعتبر أنني أدافع عنها، وبعضهم تضايق طبعاً لأنها تعكس واقع حال لا يريد تسليط الضوء عليه، وبعضهم اعتبرها دعوة مخلصة للتصحيح قبل فوات الأوان، وبعضهم بقي أسير العجز والمستوى الذي يليق به فكال الشتائم والاتهامات، وبعضهم اتصل وكتب وناقش وأحترم وجهة نظره.

سأتوقف عند ما كتبه العميد الزميل أحمد الجار الله والنائب نبيل الفضل والدكتور مرضي العياش... تباينت منطلقات مواقفهم لكنهم أضاءوا بمساحة كبيرة على قضية وطنية بامتياز كانت تستحق أن تكون قضية المعارضة الأولى لا قضية غيرهم وهو الأمر الذي يتعلق بالأهداف والمسار والأسلوب والتجربة.


الجار الله والفضل اعتبرا أن لا وجود لمعارضة وأن أي كتابة من باب النصيحة هي نفخ الروح في العدم وأن كل ما رأيناه من المعارضين في الأعوام الماضية كان أقرب إلى «خيانة وطن» منه إلى «كرامة وطن»، واستشهدا بالمشاريع الكثيرة الحيوية التي لم تنفذ بسبب مواقف المعارضين أو تلك التي كبّد عدم تنفيذها البلاد خسائر كبيرة مادية ومعنوية، أما العياش فيعتبر أن بعض أطراف المعارضة فقدوا جادة الصواب في أسلوبهم وخطاباتهم وردود أفعالهم، و«رفعوا شعار فاسد معي أفضل من شريف ضدي».

وإذ كتب العميد: «أتمنى في مقالتك الأسبوعية المقبلة أن توافقني الرأي في عدم وجود ما أسميتها معارضة اليوم، فالمعارضة هي التي وجدت مع المجلس التأسيسي وما بعده من مجالس»... فأريد أن أشارك في توسيع رقعة النقاش أملاً في نقل هذا الموضوع الوطني المهم من إطاره الشخصي إلى الإطار المؤسسي.

الطرف الأول في النقاش لا يعترف بوجود معارضة والطرف الآخر يقر بوجودها لكنه لا يرى أي محاولة جادة منها للاعتراف بأخطائها، وأنا لا يمكنني أن ألغي حق فئات سياسية واجتماعية في اعتماد نهج المعارضة للسلطة وصولاً إلى تحقيق الأهداف التي تعتبر أنها أساسية للتغيير والإصلاح حتى وإن اختلفت معها تماماً في تشخيص الخلل أو تحديد العلاج، وفي الوقت نفسه لا يمكنني أن أفهم خلو الكيان المعارض من آلية النقد الذاتي بهدف الإصلاح، ولا يمكنني أكثر أن أفهم هذا الإصرار العجيب الغريب من قبل معارضين على عدم تقديم نموذج يشعر المواطن معه أنه أمام تجربة حضارية يمكن أن تشكل بديلاً عن ممارسات السلطة وأخطائها.

أكرر، لا يمكن أن نتصور الكويت من دون معارضة، حتى ولو كانت فترات المجلس التأسيسي وما بعده فترات تميز حضاري. هذا هو نظامنا ياجماعة. ولو لم يكن هناك معارضة لوجب علينا أن نوجدها كي تكون عين الناس إلى جانب المجلس المنتخب. نحن الدولة التي تجسد المشاركة الشعبية في السلطة فكيف نلغي هذه الميزة لمجرد أن معارضين في زمن ما أخطأوا في الأساليب أو الأهداف؟

ثم لنتحدث عن نقطة تجميد المشاريع، وخوف السلطة من الصوت العالي، والأثمان التي دفعتها الكويت نتيجة القرارات الخاطئة أو التراجع عن القرارت... من حقول الشمال إلى «الداو». فهل هذه أخطاء المعارضة أم الحكومة؟ الحكومة التي يخيفها الصوت العالي لا تستحق أن تقود السلطة التنفيذية أساسا، وهذا الأمر كان الأحرى بالزملاء الذين أثاروه أن يوجهوا سهام نقدهم إلى وزراء عاجزين أو خائفين كي لا نقول متورطين. الحكومة التي تتراجع عن مشروع إما بهدف إرضاء نواب أو اتقاء للصوت العالي أو حرصاً على «تعاون» على قاعدة الرضى فقط هي من يجب أن يحاسب لا المعارض الذي يصدح بصوته مهما كانت مبرراته وطنية أو شخصية.

أهل الكويت أكثر وعياً مما تظن أطراف في السلطة أو في المعارضة. هم تجاوزوا من زمان طويل شعارات «بالروح بالدم» ويعرفون أن نظامهم يستقيم وفق أطر مؤسساتية تحرسها المشاركة الشعبية الدستورية، أي من خلال الانتخابات واختيار من يراه الناخب الأفضل للتمثيل. ولذلك فأن يرفض وزير تدخل نائب في اختصاصاته أو تجميد مشروع يرى أنه مفيد ومستوفٍ للشروط القانونية لهو التطبيق الأمثل للشروط الوطنية واحترام الموقع واكتساب ثقة الناس وراحة الضمير، ولا يمكننا أن ننزع الملامة عن السلطة التنفيذية ونضعها عند بعض المعارضين مهما كانت منطلقاتهم.

وهذا الأمر ينسحب أيضاً على التخوين والشتائم وتصنيف الناس وتوزيع شهادات الوطنية، فالسفيه تعرفه الناس والشريف تعرفه الناس، والكويتيون بفضل التجربة والوعي والخبرات لن يصدقوا أن هذا الشخص أو ذاك حرامي أو فاسد لمجرد أن معارضاً قال ذلك، بل إن اللجوء إلى مؤسسات البلد وتحديداً القضائية هو الذي يحسم إذا كانت القضايا صحيحة أو مجرد افتراء وبالتالي يتحمل كل شخص مسؤوليته... ثم إن ما يقوله بعض المعارضين عن رفاقهم في المعارضة كان كفيلاً بإزالة غشاوات كثيرة عن أعين أنصارهم أولاً وعن أعين الكويتيين ثانياً.

لا نريد أن ننحو منحى معارضين كثيرين في إلغاء الآخرين فنقول إن لا وجود لمعارضة في الكويت. ولا نريد أن ننحو منحى معارضين كثيرين في كيل التهم فنهاجمهم بالجملة مع أن الأفضل مقارعة الحجة بالحجة. ولا نريد أن ننحو منحى معارضين كثيرين في تصوير أنفسهم الأنقياء الأطهار وغيرهم الفاسدين فنضعهم جميعاً في سلة التخوين أو الهدم. ولا نريد أن ننحو منحى كثيرين في المعارضة يدفنون رؤوسهم في الرمال متجاهلين ما يحصل حولهم فنغض النظر عن أطراف معروفة تحرك معارضين وتحرفهم عن أهدافهم باتجاه أهدافها.

«ولا تزر وازرة وزر أخرى» ولا تؤخذ عامة بذنوب خاصة... أتمنى أن أكون وفقت في إضافة إضاءة إلى إضاءات الزملاء والإخوة الأعزاء، وأتمنى من أهل البيت المعارض أن يبدأوا بأنفسهم كي تتغير الأحوال إلى الأفضل.

... وسامحونا.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي