الرأي اليوم / مشروع المعارضة الإصلاحي ... هل تذكرونه؟

تصغير
تكبير
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين...

قبل أشهر، ونتيجة جهد كبير في البحث والنقاش والتحليل، خرج مشروع ائتلاف المعارضة (الإصلاح السياسي الوطني) الى النور بمؤتمر صحافي استبشر معه الجميع خيرا بمن فيهم الذين يعارضون المعارضة كونه سيغلق باب التصعيد ويفتح باب الحوار، وتوقع الكويتيون أن يشكل هذا المشروع العمود الفقري لتحرك المعارضة والرافعة التي ستنقل الحياة العامة من مرحلة إلى أخرى.


يومها، كتبت مشيداً بولادة المشروع ومسجلاً بعض الملاحظات أهمها غياب الشباب عن المؤتمر الصحافي، ودخول عبارات إرضائية لتيارات سياسية على حساب وحدة البرنامج وتماسكه، ووجود تحفظات من مجموعة أساسية في المعارضة على بعض البنود، واعتبار البعض المشروع نهاية مرحلة وليس بداية مرحلة، وخلو المشروع من آليات تعميمه عبر إطلاق أوسع ورشة وطنية للطرح والنقاش مع مختلف مكونات المجتمع الكويتي.

ومن الملاحظات أيضا أن المعارضة ذكرت في مشروعها أن تحقيق الإصلاح السياسي الوطني يتم عبر القنوات والمؤسسات الدستورية التي تتيح للشعب حق التغيير السلمي عبر الآلية الديموقراطية، ويومها نقلت تساؤل كثيرين عن كيفية تطبيق هذا البند، هل من خلال قيام عدد من نواب المجلس الحالي بتسويقه لأن التعديلات وفق الدستور يجب أن تتم بتوافق سمو الأمير وثلثي أعضاء المجلس، أم أن المعارضين سيخوضون الانتخابات المقبلة ويطرحون تعديلاتهم تحت القبة ووفق الدستور؟ وذكرت حرفيا: «إذا كانت هناك إجابات أخرى من قبيل المواجهات في الشارع فهذه قرارات قد تكون مشروعة من وجهة نظر أصحابها لكنها غير شرعية وفق الدستور والقانون، بل متعارضة مع ما ذكره المشروع من أن الإصلاح كي يتحقق يجب أن يكون عبر القنوات والمؤسسات الدستورية... أما عكس ذلك فنوع من أنواع الانقلابات ترفضها المعارضة قبل الموالاة».

وأذكر يومها وبكل محبة، كيف أن معارضين كثراً نختلف معهم في أسلوب العمل نشروا ملاحظاتنا في مواقعهم ومدوناتهم بل طلبوا ان تناقش داخليا كي يخرج المشروع الإصلاحي في أكمل وجه.

اليوم وبعد أشهر من تساؤلات الكويتيين نعود الى مشروع المعارضة ويبدو أننا نتذكره فيما كثيرون من أهله يتجاهلونه أو يتناسونه أو يشيرون اليه بخفر وحياء. بل أكثر من ذلك يجهد أعضاء في الغالبية النيابية السابقة على التسريب للإعلاميين مع كل اجتماع لهم أنهم تركوا ائتلاف المعارضة... ماذا حصل بين إعلان المشروع وما نحن عليه اليوم؟

أولا، لم يعد للشباب حتى أي وجود رمزي في هذا المشروع وتعاظم الشعور لديهم بأن المشروع تم تضييعه في دهاليز سياسية أخرى.

ثانيا، لم تعقد ورشة عمل وطنية واحدة ولم يحصل أي نشاط أو مبادرة أو حوار أو ندوة أو لقاء حتى لتعميم المشروع أو بدء خطوات متحضرة لجعله محور استقطاب مختلف مكونات المجتمع.

ثالثا، أتى من أوهم بعض المعارضين بأنه سيدعم تحركهم إن هم ساروا في مشروعه فطغى مشروعه على مشروعهم.

رابعا، صار بعض المعارضين أداة في مشروع جديد لضرب الاستقرار وحرق المصالح والوصول الى السلطة عبر مواضيع مبنية على الفبركة والتجسس، فدخلوا فيها من أكثر أبوابها سخونة وتصعيداً، وبدل أن تكون الكويت كلها رحاب عرض بنودهم الإصلاحية صارت الشوارع ميادين للتصعيد على أمور شخصية تخدم في كل التفسيرات من فجرها ولا تخدم في أي تفسير المشروع الإصلاحي الذي احترقت حسابات واضعيه وهم يعرضون حسابات مزيفة أو يحشدون الشارع استنادا الى فبركة محادثات بين أشخاص هم أساسا خارج السلطة.

خامسا، وهو الأهم، ان من فرض مشروعه على مشروع المعارضة نجح في ضرب المعيار الذي بني عليه، اي «تحقيق الإصلاح السياسي الوطني عبر القنوات والمؤسسات الدستورية التي تتيح للشعب حق التغيير السلمي عبر الآلية الديموقراطية»، وحصل ما حصل في مسيرة «كرامة وطن 8» التي انتقدتها غالبية الغالبية السابقة وما تلاها من اقتحام لسوق المباركية وترويع الأهالي في رمضان ووفق شعارات لا علاقة لها نهائيا بالبنود الإصلاحية التي وردت في مشروع المعارضة.

سادسا، الاخوة الذين أطلقوا المشروع كتبوا في مقدمته عن أسبابه ان المؤسسين حذروا «من طغيان السلطة التنفيذية على ضمانات شعبية الحكم، التي تفيء على المواطنين بحبوحة من الحرية السياسية، فتكفل لهم - إلى جانب حق الانتخاب السياسي - مختلف مقومات الحرية الشخصية (...) وبغير هذه الضمانات والحريات السياسية ، تنطوي النفوس على تذمر لا وسيلة دستورية لمعالجته، وتكتم الصدور آلاما لا متنفس لها بالطرق السلمية، فتكون القلاقل، ويكون الاضطراب في حياة الدولة». ونسأل الأخوة الأعزاء الذين تجاهلوا بنود الإصلاح وامتشقوا سيف أحدهم فجأة: هل الحرية السياسية تعني السير في مشروع شخصي لحرق المراحل وضرب الاستقرار والوصول إلى السلطة؟ هل حق الانتخاب السياسي حكر على من يدلي بصوته في نظام انتخابي معين وهو حق منقوص إن أدلى المرء بصوته في ظل نظام انتخابي آخر؟ هل الحرية الشخصية تسمح بتخوين الناس بلا سند أو أدلة وتخرجهم من إنسانيتهم ووطنيتهم استنادا الى قصاصات وفبركات وتسريبات؟ هل التذمر في النفوس هو عند فريق من الكويتيين فقط وهل ينتهي هذا التذمر إذا تعمم بالفوضى وترويع الآمنين؟ وهل القلاقل مدخل الى حلول تسمح ببيئة حاضنة للبنود الإصلاحية أم إنها مدخل الى فوضى تسمح ببيئة حاضنة للتطرف؟

... عود على بدء، وكأني أتحدث عن مشروع ضرب من بيت أبيه قبل أن تضربه السلطة. عودوا اليه بحسناته ومثالبه. ببنوده القابلة للتحقق وتلك التي سيطول تحقيقها. اطرحوه في ورشات عمل وطنية وفكرية وقانونية ودستورية جامعة وليكن النقاش حوله إثراء أو تطويرا. هذه العودة تعني عودة المعارضة الى قواعدها وخروجها من القاعدة التي استند عليها احدهم لتمرير مشروعه، فلا هو مر ولا مشروعكم مر.

خذوا المبادرة الآن وأعيدوا الى الحياة العامة المشروع الذي خطفته الشهوات الخاصة، وذكرونا، على الأقل ذكرونا، بأن ساحات الحوار والنقاش والبحث ما زالت موجودة في الكويت.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي