الرأي اليوم / تبرع الكويت لغزة ... تحمّلوا صراحتي !


مع التقدير الكامل للشيخ صباح الخالد ولأدائه المميز في السياسة الخارجية ولكلامه الراقي الانساني عن معاناة أهالي غزة وضرورة المساهمة في إعادة إعمار القطاع.
ومع الإدانة الكاملة للهمجية الإسرائيلية التي تعتبر الأب الروحي لكل أعمال العنف والتطرف والوحشية في العصر الحديث.
ومع التعاطف الكامل مع معاناة أهلنا في القطاع والإشادة المطلقة بصمودهم خلال الحرب العدوانية التي حصدت البشر ودمرت الحجر.
ومع الاحترام الكامل لدور الكويت في مساعدة المنكوب وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج.
... مع ذلك كله، ليتسع الصدر لكلام صريح عن تبرع الكويت بـ 200 مليون دولار مساهمة منها في إعادة بناء ما هدمته اسرائيل.
بداية، لا يزايدن احد علينا في التضامن مع المقاومين في غزة، وكنا من القلائل الذين كتبوا خلال الحرب ان اي كلام عن خطأ فلسطيني أو خلافات بين المنظمات أو سوء تقدير توقيت إطلاق الصواريخ هو بطريقة أو بأخرى نوع من المساعدة لإسرائيل كي تستمر في غيّها. قلنا هذا الكلام بينما كان الفضاء العربي يموج إما بالتهجم على «حماس» وإما بالصمت... وهو الصمت الذي شاركت فيه حتى قوى ممانعة ومقاومة عربية نتيجة حسابات الأزمة السورية.
اليوم توقفت الحرب وبدأت عملية تجميع المال لإعادة الإعمار. وبما أن مال العالم كله لا يمكن أن يواسي أمًّا فقدت طفلتها غدراً وظلماً، الا ان الواجب يبقى واجباً، والترفع عن الحساسيات الخاصة يبقى سنة الكبار.
لكن لنتحدث عن الـ 200 مليون دولار من الكويت ومئات الملايين الاخرى من دول شقيقة وصديقة، وفي موضوع الحرب الاخيرة على غزة تحديدا. فعندما تهدأ الامور ويعاد للعقل بعض مما خطفته العاطفة يمكننا الحديث بصراحة وليتحملنا إخوتنا مثلما تحمّلنا وسنتحمل.
استمرت الحرب على غزة نحو سبعة اسابيع. في الاسبوع الاول من القتال صدرت مبادرة مصرية من اربعة بنود اساسية لوقف النار من الطرفين وفتح المعابر ورفع الحصار والتفاوض على كل القضايا بما في ذلك الامن (يمكن الاطلاع على تفاصيل المبادرة المؤرخة في 14 يوليو 2014).
بعد يوم واحد من المبادرة وافقت الحكومة الاسرائيلية عليها في حين اعتبرتها كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) «ركوعا وخنوعا» ورفضتها جملة وتفصيلا، ثم توالت الاتهامات لمصر من مسؤولين فلسطينيين بانها تريد بيع القضية الفلسطينية في موازاة استمرار الحرب لستة اسابيع اخرى تقريبا شهدت كل انواع القتل والخراب والدمار، فاستشهد المئات من إخوتنا وأصيب الآلاف وانهارت أحياء على رؤوس من فيها.
بعد اسابيع من العدوان والموت والمقاومة والصمود، صدر بيان مصري ينص حرفيا على: «حفاظاً على أرواح الأبرياء وحقناً للدماء واستنادا الى المبادرة المصرية 2014 وتفاهمات القاهرة 2012 دعت مصر الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني الى وقف اطلاق النار الشامل المتبادل...». اي عودة حرفية الى بنود مبادرة 2014، التي وصفتها «حماس» بانها ركوع وخنوع. خرج نائب رئيس المكتب السياسي للحركة موسى ابو مرزوق ليعلن ان الاتفاق «يلبي مطالب الفلسطينيين ويمثل نصرا للمقاومة»، ثم أطلقت الأسهم النارية في قطاع غزة وسط خطابات واحتفالات النصر.
من حق الفلسطينيين، ونحن معهم، ان يحتفلوا بصمودهم ومنعهم القوات الاسرائيلية من احتلال القطاع. ولكن من حقهم، وحقنا ايضا، التساؤل عن السبب في رفض المبادرة بداية الحرب والقبول بها نفسها بعد نحو 2200 شهيد و11 الف مصاب وتهجير 100 الف وتدمير 20 الف منزل. اذا كان الجواب في ان اسرائيل ايضا خسرت عددا كبيرا من جنودها واضطرت لوقف الحرب فالأولى بإنساننا ان يكون في صلب حساباتنا تماما كما إنسانهم في حساباتهم.
نعرف ان الهم الأساسي وقت الحرب هو لوقفها ووقف النزيف والضحايا، ولكن في اطار تنسيق الاشقاء ووحدة مصيرهم هل تم سؤال من استمر في الحرب عن سبب رفض المبادرة المصرية ومن ثم العودة للقبول بها؟ وعن الثمن الهائل الذي دُفع من العباد والبلاد مقابل فاصلة مضافة أو هامش؟ والله العظيم نحن شركاء إنما الشراكة ايضا تبتغي مصالح الناس بالدرجة الاولى وهذه المصالح تدمرت من دون ان نشك للحظة في النيات الصادقة للمقاومين ومن دون ان ننسى للحظة عظمة التضحيات والشهادة.
التضامن شيء والأثمان التي يمكن تلافيها شيء آخر، خصوصا في قضية غزة الاخيرة. تعودنا في العالم العربي منذ 1948 على «الانتصارات» فيما مساحات دولنا تتقلص ومقابرنا تتوسع. كانت مبادرة القاهرة ركوعا وخنوعا ثم اصبحت نجمة احتفالات النصر.
اليوم تبرعت الكويت بـ 200 مليون لغزة، وعند بداية الازمة السورية عقدت اتفاقات بـ 100 مليون مع الحكومة السورية مع ان تطورات الامور هناك كانت واضحة، وبالأمس عقدت اتفاقات ايضا بعشرات الملايين مع اليمن مع ان اتجاهات الريح اوضح. اتفاقات... وهبات... وقروض في اماكن مشتعلة تحرق حتى احبار التوقيع عليها. ما نقوله هو ان واجبنا القومي والانساني يجب ان يستمر إنما في الوجهة الصحيحة، وان ما نقدمه يجب أن يصل الى مستحقيه الحقيقيين...
هل طلبت الكويت والدول الشقيقة والصديقة تفسيرا من المسؤولين الفلسطينيين عن «النصر» الذي كان اسمه «الركوع» مع ان المبادرة واحدة؟ هل حددت ضمانات مستقبلية لوقف النزيف البشري والمالي؟ هل وضعت معايير بحكم «الشراكة والمصير الواحد» كي لا يحصل انفراد بالحرب والسلم أو على الاقل كي يتحمل من يخرق هذه المعايير مسؤوليته؟
أعرف أن قلائل سيفهمون هذا المقال على انه لمصلحة الفلسطينيين وقضيتهم المقدسة ولمصلحة الارتباط العربي بهذه القضية، واعرف ان كثيرين سيفهمون أو سيتم إفهامهم بأن المقال دعوة لوقف تبرع الكويت وغيرها، أو هو انتقاص من صمود أهل القطاع وبطولتهم، أو تشويه لـ «النصر» الذي ما زالوا يحتفلون به... وربما ذهبوا إلى أن المقال «ركوع وخنوع» وان «الدم أغلى من المال».
الدم أغلى مليون مرة من المال ولذلك نحن حريصون هنا على الدم لا على المال، والواجب واجب، والترفع عن الحساسيات الخاصة سنة الكبار، ولتكن مساهمة الكويت في غزة وقت السلم لا فقط وقت الحرب بالمليارات لا بالملايين... لكننا ما زلنا ننتظر الاجابة كي لا نتوه مجددا بين «النكسة» والانتصار.
جاسم مرزوق بودي
ومع الإدانة الكاملة للهمجية الإسرائيلية التي تعتبر الأب الروحي لكل أعمال العنف والتطرف والوحشية في العصر الحديث.
ومع التعاطف الكامل مع معاناة أهلنا في القطاع والإشادة المطلقة بصمودهم خلال الحرب العدوانية التي حصدت البشر ودمرت الحجر.
ومع الاحترام الكامل لدور الكويت في مساعدة المنكوب وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج.
... مع ذلك كله، ليتسع الصدر لكلام صريح عن تبرع الكويت بـ 200 مليون دولار مساهمة منها في إعادة بناء ما هدمته اسرائيل.
بداية، لا يزايدن احد علينا في التضامن مع المقاومين في غزة، وكنا من القلائل الذين كتبوا خلال الحرب ان اي كلام عن خطأ فلسطيني أو خلافات بين المنظمات أو سوء تقدير توقيت إطلاق الصواريخ هو بطريقة أو بأخرى نوع من المساعدة لإسرائيل كي تستمر في غيّها. قلنا هذا الكلام بينما كان الفضاء العربي يموج إما بالتهجم على «حماس» وإما بالصمت... وهو الصمت الذي شاركت فيه حتى قوى ممانعة ومقاومة عربية نتيجة حسابات الأزمة السورية.
اليوم توقفت الحرب وبدأت عملية تجميع المال لإعادة الإعمار. وبما أن مال العالم كله لا يمكن أن يواسي أمًّا فقدت طفلتها غدراً وظلماً، الا ان الواجب يبقى واجباً، والترفع عن الحساسيات الخاصة يبقى سنة الكبار.
لكن لنتحدث عن الـ 200 مليون دولار من الكويت ومئات الملايين الاخرى من دول شقيقة وصديقة، وفي موضوع الحرب الاخيرة على غزة تحديدا. فعندما تهدأ الامور ويعاد للعقل بعض مما خطفته العاطفة يمكننا الحديث بصراحة وليتحملنا إخوتنا مثلما تحمّلنا وسنتحمل.
استمرت الحرب على غزة نحو سبعة اسابيع. في الاسبوع الاول من القتال صدرت مبادرة مصرية من اربعة بنود اساسية لوقف النار من الطرفين وفتح المعابر ورفع الحصار والتفاوض على كل القضايا بما في ذلك الامن (يمكن الاطلاع على تفاصيل المبادرة المؤرخة في 14 يوليو 2014).
بعد يوم واحد من المبادرة وافقت الحكومة الاسرائيلية عليها في حين اعتبرتها كتائب عز الدين القسام (الجناح العسكري لحماس) «ركوعا وخنوعا» ورفضتها جملة وتفصيلا، ثم توالت الاتهامات لمصر من مسؤولين فلسطينيين بانها تريد بيع القضية الفلسطينية في موازاة استمرار الحرب لستة اسابيع اخرى تقريبا شهدت كل انواع القتل والخراب والدمار، فاستشهد المئات من إخوتنا وأصيب الآلاف وانهارت أحياء على رؤوس من فيها.
بعد اسابيع من العدوان والموت والمقاومة والصمود، صدر بيان مصري ينص حرفيا على: «حفاظاً على أرواح الأبرياء وحقناً للدماء واستنادا الى المبادرة المصرية 2014 وتفاهمات القاهرة 2012 دعت مصر الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني الى وقف اطلاق النار الشامل المتبادل...». اي عودة حرفية الى بنود مبادرة 2014، التي وصفتها «حماس» بانها ركوع وخنوع. خرج نائب رئيس المكتب السياسي للحركة موسى ابو مرزوق ليعلن ان الاتفاق «يلبي مطالب الفلسطينيين ويمثل نصرا للمقاومة»، ثم أطلقت الأسهم النارية في قطاع غزة وسط خطابات واحتفالات النصر.
من حق الفلسطينيين، ونحن معهم، ان يحتفلوا بصمودهم ومنعهم القوات الاسرائيلية من احتلال القطاع. ولكن من حقهم، وحقنا ايضا، التساؤل عن السبب في رفض المبادرة بداية الحرب والقبول بها نفسها بعد نحو 2200 شهيد و11 الف مصاب وتهجير 100 الف وتدمير 20 الف منزل. اذا كان الجواب في ان اسرائيل ايضا خسرت عددا كبيرا من جنودها واضطرت لوقف الحرب فالأولى بإنساننا ان يكون في صلب حساباتنا تماما كما إنسانهم في حساباتهم.
نعرف ان الهم الأساسي وقت الحرب هو لوقفها ووقف النزيف والضحايا، ولكن في اطار تنسيق الاشقاء ووحدة مصيرهم هل تم سؤال من استمر في الحرب عن سبب رفض المبادرة المصرية ومن ثم العودة للقبول بها؟ وعن الثمن الهائل الذي دُفع من العباد والبلاد مقابل فاصلة مضافة أو هامش؟ والله العظيم نحن شركاء إنما الشراكة ايضا تبتغي مصالح الناس بالدرجة الاولى وهذه المصالح تدمرت من دون ان نشك للحظة في النيات الصادقة للمقاومين ومن دون ان ننسى للحظة عظمة التضحيات والشهادة.
التضامن شيء والأثمان التي يمكن تلافيها شيء آخر، خصوصا في قضية غزة الاخيرة. تعودنا في العالم العربي منذ 1948 على «الانتصارات» فيما مساحات دولنا تتقلص ومقابرنا تتوسع. كانت مبادرة القاهرة ركوعا وخنوعا ثم اصبحت نجمة احتفالات النصر.
اليوم تبرعت الكويت بـ 200 مليون لغزة، وعند بداية الازمة السورية عقدت اتفاقات بـ 100 مليون مع الحكومة السورية مع ان تطورات الامور هناك كانت واضحة، وبالأمس عقدت اتفاقات ايضا بعشرات الملايين مع اليمن مع ان اتجاهات الريح اوضح. اتفاقات... وهبات... وقروض في اماكن مشتعلة تحرق حتى احبار التوقيع عليها. ما نقوله هو ان واجبنا القومي والانساني يجب ان يستمر إنما في الوجهة الصحيحة، وان ما نقدمه يجب أن يصل الى مستحقيه الحقيقيين...
هل طلبت الكويت والدول الشقيقة والصديقة تفسيرا من المسؤولين الفلسطينيين عن «النصر» الذي كان اسمه «الركوع» مع ان المبادرة واحدة؟ هل حددت ضمانات مستقبلية لوقف النزيف البشري والمالي؟ هل وضعت معايير بحكم «الشراكة والمصير الواحد» كي لا يحصل انفراد بالحرب والسلم أو على الاقل كي يتحمل من يخرق هذه المعايير مسؤوليته؟
أعرف أن قلائل سيفهمون هذا المقال على انه لمصلحة الفلسطينيين وقضيتهم المقدسة ولمصلحة الارتباط العربي بهذه القضية، واعرف ان كثيرين سيفهمون أو سيتم إفهامهم بأن المقال دعوة لوقف تبرع الكويت وغيرها، أو هو انتقاص من صمود أهل القطاع وبطولتهم، أو تشويه لـ «النصر» الذي ما زالوا يحتفلون به... وربما ذهبوا إلى أن المقال «ركوع وخنوع» وان «الدم أغلى من المال».
الدم أغلى مليون مرة من المال ولذلك نحن حريصون هنا على الدم لا على المال، والواجب واجب، والترفع عن الحساسيات الخاصة سنة الكبار، ولتكن مساهمة الكويت في غزة وقت السلم لا فقط وقت الحرب بالمليارات لا بالملايين... لكننا ما زلنا ننتظر الاجابة كي لا نتوه مجددا بين «النكسة» والانتصار.
جاسم مرزوق بودي