الرأي اليوم / رأس «داعش» ... وعقل أميركا !

تصغير
تكبير
تحالف دولي – عربي، بعد تحالف دولي – عربي، بعد تحالف دولي – عربي... الداعي له الأميركي والمستجيب نحن. نفتح أراضينا وخزائننا وقواعدنا وبحرنا ونزج بأبنائنا أيضا، وهم يرسلون الجنود والطائرات والبوارج والصواريخ.

اليوم دقوا نفير «داعش»، وما كانوا ليدقوه لولا أن السكين وصلت الى رقاب أفراد منهم. عشرات آلاف القتلى عندنا غير مهمين «لأن متخلفين يذبحون متخلفين» حسب قناعاتهم ومعاييرهم المزدوجة. دقوا النفير وطلبوا منا المساهمة في بناء التحالف فاستجبنا كالعادة من دون أن نسأل عن التحالف المقبل المطلوب أن نساهم فيه وضد مَن؟


لسنا من هواة نظرية المؤامرة ولا نبرر أخطاءنا ولا نضع مساحيق التجميل على وجه واقعنا المتخلف. إنما لنفكر فيها واحدة واحدة.

عندما أرادت أميركا توجيه ضربة قاضية للاتحاد السوفياتي السابق تنهي الحرب الباردة وجدت ضالتها في «المجاهدين» الذين أصبحوا لاحقا «القاعدة» فشجعت دول المنطقة على «تصديرهم» إلى افغانستان ودعمتهم بكل أنواع الأسلحة بما فيها صواريخ «ستنغر» التي لم تقدمها حتى إلى دول حليفة. وعندما عاد «المجاهدون» إلى دولهم وبدأوا عمليات تفجيرية فيها ولوحقوا واعتقلوا لم يدق الأميركي النفير، انما عندما ضرب هؤلاء سفارات أميركية ومصالح أميركية وبرجي التجارة دق الاميركي النفير بقيام تحالف دولي – عربي فاستجبنا وكنا جزءا من الحرب العالمية على الارهاب. جرح الأميركيون «القاعدة» انما لم يقتلوها رغم قتلهم زعيمها والدليل أنها تعيد انتشارها في دول كثيرة بمسميات مختلفة.

وما ينطبق على «القاعدة» ينطبق على «طالبان»، الابن الشرعي للتحالف الاستخباراتي الاميركي – الباكستاني مع المدارس الدينية والنزعة القبلية. وهل ينسى المرء صورة قادة «طالبان» في المكتب البيضاوي وكيف استقبلوا بحفاوة ما بعدها حفاوة من قبل الإدارة الأميركية؟ اليوم يعرف الأميركيون قبل غيرهم أن «طالبان» رغم حرب التحالف مازالت لها الكلمة المؤثرة في الشارع الأفغاني.

كان لا بد من «عدو» عقائدي للولايات المتحدة بعد انهيار العدو السوفياتي. تعاونوا مع «المجاهدين» ثم صار الاسلام خطراً على «قيمهم» تماما كما تعاونوا مع الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية ثم صارت الشيوعية خطراً على «قيمهم». يخلطون بين الدين وبعض معتنقيه عندما يصل الامر إلينا، ويفصلون بين الأمرين تماما عندما يرتكب أحدهم جرائم كبرى من وزن تفجير مبنى بأكمله في أوكلاهوما على رؤوس من فيه.

صدام حسين، أو «القاعدة» الغربية المتقدمة في فترة ما بعد الثورة الإيرانية، صار «نجما» كونه يخوض نيابة عن الجميع حرباً مع إيران الجديدة. ساهم الفرنسيون في بناء منشآت لمفاعل نووي له دمرتها إسرائيل لاحقا. ومع فارق الانقلاب بينه وبين «القاعدة» كونه دولة، انقلب عراق صدام على داعميه وصدق انه القوة السادسة في العالم واجتاح الكويت التي تحررت من دون ان تسقط بغداد، ثم بقي ورقة ابتزاز إقليمية وغربية حتى دق الأميركي النفير بان هذا الرجل يملك سلاحا كيماوياً خطيراً فتشكل التحالف الدولي – العربي وسقطت بغداد بالطريقة الاميركية، ولم يكن للكيماوي اثر مع ان المقابر الجماعية التي اكتشفت لاحقا اكثر عارا على جبين الانسانية من الكيماوي.

اليوم «داعش»، نتيجة واضحة لمعادلة اوضح. تزاوج التخلف العربي - الاسلامي مع السياسة الأميركية في المنطقة. وما قاله الرئيس باراك اوباما في جلسة مغلقة مع مجموعة من السياسيين والاعلاميين يوضح تماما ما نقول، اذ اشار في معرض تحليله للمرحلة الى انه لوكان مستشاراً لقادة «داعش» لقدم لهم نصيحة «بعدم اعدام الرهائن الغربيين الذين في حوزتهم بل إلصاق لافتة على صدورهم تحض دول العالم على عدم التدخل في هذه الحرب فهذا ليس من شأنكم» ثم اطلاق سراحهم، وهو يرى ان ذلك لو حصل فسيجعل مهمة الحكومات الغربية صعبة جدا في اقناع الرأي العام لديها بالذهاب الى الحرب ضد هذا التنظيم.

هذا الكلام خطير، يعني ان لا مشكلة لدى اوباما مع «داعش»، او لنقل ان لا مشكلة تستدعي الذهاب إلى محاربة التنظيم. لتبق انظمة المنطقة تمارس حرب ابادة ولتبق الجماعات المتطرفة تحتل مناطق جديدة وتقيم عليها اماراتها وقوانينها... «متخلفون يذبحون متخلفين» (هذا رأيهم الدائم)، اما وان السكين وصلت رقبة غربي فهذا الامر أحرج اوباما والدول الأخرى ولم يعد في الامكان ادارة الظهر لما يحصل، ولذلك دقوا النفير لتشكيل تحالف دولي – عربي يحارب (داعش) في معركة يرى اوباما نفسه انها لن تنتهي بسنوات.

للتحالفات والحروب اثمان ندفعها نحن ابناء المنطقة. قطارات التنمية والتقدم والتطور تنتظر في محطاتها كي تمر الدبابات والسفن والبوارج والطائرات. وبعد كل حرب «تحرير» أميركية لتنظيمات متطرفة او انظمة ديكتاتورية يزداد عدد المتطرفين والديكتاتوريين وامراء الدويلات... نخلق بمالنا وامكاناتنا وتحالفاتنا وحشاً جديداً كل عقد وننصرف الى هم واحد وحيد هو كيف نحفظ استقرار مجتمعاتنا مع هذا التشظي المخيف في الافكار والتوجهات والسلوكيات والممارسات.

كلامنا لا يقدم ولا يؤخر، فالتحالف قام، والحرب بدأت عمليا. لن نطلب من دول الخليج والدول العربية أن ترفض الدخول في التحالف قبل أن تعرف أهدافه الحقيقية وارتداداته المقبلة. لن ندلل على ما حصل في العراق حيث لم يميز الأميركي بين اسقاط ديكتاتور وسقوط البلد بكامله في دوامة الانقسامات الطائفية والمذهبية والميليشيات... وبتشجيع أميركي. تعرف دول الخليج تحديدا أن كل «خطر» تمت محاربته بالعقلية الاميركية فرّخ «أخطاراً» جديدة أزهقت الأرواح وارهقت القدرات.

لن نطلب عدم الدخول في التحالف لأنه قام والحرب بدأت. نطلب فقط سؤال الاميركي من اليوم عن هوية العدو المقبل ومكان الحرب المقبلة وشكل التحالف الجديد... هذا إذا بقيت لدينا دول قادرة على التحالف.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي