الرأي اليوم / هل كانت الكويت لتبقى؟

تصغير
تكبير
في بدايات القرن السابع عشر، ولظروف مختلفة أهمها اقتصادية ومعيشية وأمنية، هاجرت مجاميع من الناس من الجزيرة بشكل رئيسي ولاحقا من فارس ومما كان يسمى بر الشام... مجاميع قليلة كونت بضع عائلات تجمعت في موقع اسمه الكوت في شمال الخليج العربي تغير اسمه لاحقاً الى الكويت.

الكوت هو الحصن، لكنه في ذلك الوقت كان أقرب الى الملاذ. كان بداية تأسيس بلد من قبل أفراد قرروا ان يتعايشوا فوق أرض واحدة وأن ينظموا أمور حياتهم وعلاقاتهم من خلال جملة عهود وتفاهمات واتفاقات صارت لاحقا قوانين، وكان كل من ينضم اليهم لاحقا يضطر للعيش تحت مظلة تلك الاتفاقات فان اضاف اليها بعداً اقتصادياً جديداً (على بدائية تلك المرحلة) زادت مكانته وشجع غيره، وإن أخل بالعهود والاتفاقات وأعراف ذلك الزمان كان يهمش ويعزل حتى لا يشجع غيره على الكسل والتواكل والاستغلال.


ومن يتابع سيرة الرعيل الاول بكل ما في الفطرة الاولى لتكوين مجتمع وبلد، لا يملك الا الدهشة والانبهار من روح التحدي الاستثنائية الكامنة فيهم لانتاج دورة اقتصادية تؤمن مقومات العيش لكيان قيد التأسيس. صحراء تغلي، وحر يصلي، وبحر غامض، ومطر نادر، وماء كأنه الماس في قعر المناجم... ومع ذلك طوعوا الصحراء وتحايلوا على اجوائها بالبنيان وتحصيل الرزق، وغزوا البحر لمطاردة سمكه ولؤلئه، بل يمكنك القول إنهم عبّدوا امواجه لتسير عليه زوارقهم وسفنهم زارعين النواة الاولى لاكبر تجارة بحرية شهدها الخليج لاحقاً.

باختصار، كان هذا العدد القليل من الناس، الذي لا يملك لا ماء ولا كهرباء ولا وسائل نقل ولا اتصال، يعمل في اتجاهين متلازمين: استمرار تطوير «المجتمع - البلد»، واستمرار فتح مجالات اقتصادية جديدة. كان العمل عبادة فعلية لديهم بل عبادة في ظروف لا تخطر على بال. تطورت الدولة وتعاقبت الاجيال وتبلور شكل ادارة الحكم واكتشف الذهب الاسود في ثلاثينيات القرن الماضي ووصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم.

في خاطري سؤال افتراضي... تحمّلوني قليلاً:

لو لم يكتشف النفط مع نهاية الربع الاول من القرن الماضي كيف سيكون شكل الكويت اليوم؟

هناك احتمالان:

الاول، أن تؤدي ندرة الموارد والمال والاعمال والتجارة وضمور الانتاج الى تفكك المجتمع وهجرة افراده تماما للاسباب نفسها التي جمعتهم، خصوصا بعد اكتشاف منتجات بديلة مثل اللؤلؤ الصناعي ومنافسة البحر من قبل دول تملك بنيات صناعية قوية قادرة على تسيير أساطيل حديثة ضخمة... إضافة الى التحديات السياسية الكونية التي هزت العالم بحروبها آنذاك وأزالت دولاً عن الخريطة ودمجت أخرى.

الثاني، أن تصبح الكويت بفضل نهج الأولين وإصرارهم على تحدي البر والبحر واجتراح «المعجزات» الاقتصادية، دولة مثل سنغافورة اليوم أو هونغ كونغ تكون مقرا وممرا ماليا وتجاريا وصناعيا وخدماتيا مع نسيج داخلي متماسك تجمعه قيم العمل لان افراده يعلمون ان بقاء مجتمعهم مرهون باستمرار انتاجهم.

النموذج الثاني ليس هيكلاً لشكل الدولة فحسب. ليس نظاماً سياسياً واقتصادياً فقط. هو اسلوب حياة يفرز قيما مختلفة تماما عن التي نراها اليوم، تبدأ مع الطفل ومدرسته الاولى ولا تنتهي بالوظيفة أو العمل أو الانجاز. اسلوب حياة اشبه بدستور متكامل مذهبه الوحيد الاستفادة القصوى من الطاقات لدفع عجلة التنمية والتطور قدما الى الأمام من اجل تطوير الحاضر وتعبيد الطريق الى مستقبل افضل... هذا النموذج كان كفيلاً بخلق مجتمع متجانس اكثر، متماسك اكثر. تقسيماته وألوانه السياسية والفكرية مختلفة تماماً عن التقسيمات المتخلفة التي نراها اليوم، ويقينا كان الاوائل سيورثون نمط حياتهم، بالمعنى الانتاجي الحركي الرافض للبطر والتواكل، جيلاً بعد جيل.

موقع الكويت الجغرافي كعقدة التقاء بين الامم متميز جدا، ومصنف دولياً من اهم النقاط الاستراتيجية بين شرق وغرب، ما يؤهلها لان تكون اهم مركز لتجارة الترانزيت. اهم مستقر لرؤوس الاموال والرساميل. اهم ساحة خدمات استثمارية وتكنولوجية. «حارة أمان» اقتصادية للدول المجاورة. منطقة تجميع صناعية رديفة. مصرف المنطقة... الخ.

هذه المواصفات تحمل، الى مقومات الاستقرار، مقومات الحماية ايضا، فأي دولة مجاورة ستفكر في الاستفادة قبل الطمع، لانها تحتاج نموذجاً قريباً منها يعود عليها وعلى اقتصادها ومجتمعها بالفائدة... وهل ننسى ان الصين بعدما استردت هونغ كونغ (وهي بالمناسبة صخرة كبيرة ومزدحمة ومناخها من بين الاسوأ في العالم) حافظت على طبيعتها ولم تلحقها بنظامها الشيوعي لان هذه الصخرة الصغيرة تخدم العملاق الاصفر؟ وهل ننسى ان كل «بزنس» العالم مع الصين يمر بهونغ كونغ؟

بعيداً عن السؤال الافتراضي وقريباً من الواقع نواجه مفارقة مؤلمة. الكويت دولة نفطية ومع ذلك، وبعد مرور اكثر من ثمانين عاما على وجود الذهب الاسود، لسنا من النموذج الثاني الذي ذكرته... ونصلي بالطبع كي لا نواجه مصير الاحتمال الاول إن نضب النفط أو تراجعت أهميته مع اكتشاف بدائل.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي