الرأي اليوم / ثلاجة العراقي وثلاجة الكويتي


مع كل اضطراب أمني في العراق تبدأ هواجس الكويتيين من امتداداته. هي هواجس مبررة كوننا نتأثر بكل ما في المحيط خصوصا إذا تشظت ساحة جار الشمال السياسية كما يحصل الآن. لكنني لن أتحدث في السياسة المباشرة عن حكومة المالكي وأسلوب إدارتها والتهميش والإقصاء وداعش والعشائر والصحوات وكل المكونات السياسية من عرب وكرد، ولن أتوقف نهائيا أمام إجراءات الأمن والسلامة على الحدود وفي الداخل، بل سأعود الى فكرة استراتيجية قد تبدو غريبة في خضم العواصف الحالية لكنني مُصرّ على أنها الفكرة الأمثل... رغم أن الواقع العربي لا يعترف لا بالفكرة ولا بالمثاليات.
قبل أكثر من عقد من الزمن، وكان التوتر بين الكويت والعراق على أشده، كتبت أن الكويتي يستقر ويرتاح عندما تصبح ثلاجة أفقر عراقي مليئة بالأطعمة أكثر من ثلاجة أغنى كويتي. كانت صورة رمزية لما أردت أن أعبر عنه بالنسبة الى العلاقات بين الدول القريبة من بعضها وتجبرها الجغرافيا على تجاوز بعض التاريخ.
هذه الصورة لم أقصد بها على الإطلاق أي منة أو منحة أو جميل يمكن أن يقوم به طرف لآخر. فالعراق إن أحسن استخدام خيراته يصبح من أغنى دول العالم، والسلطة العراقية - أي سلطة - عليها أن تدرك أن تجييش كل الإمكانات لخدمة التنمية هو في الحقيقة حرب على الانقسامات والتوترات والمشاكل.
كان سؤالا برسم السلطات والحكومات ولم يكن سؤالا يتعلق لا بالكويت ولا بالعراق. إنه أمر يدخل في صلب الحكم وإدارته. في الرؤية القائمة على أن البلد أهم من كل المناصب، ومن الطبيعي ألا تفهم الصورة بالشكل الذي يجب أن تفهم فيه خصوصا أن العالم العربي شهد احتراق دول ومجتمعات من أجل بقاء حاكم حارب الجميع لأنه اعتبر نفسه رمز وحدة البلاد والعباد.
عندما كانت الاضطرابات تعم دولا أفريقية كثيرة سواء بسبب احتجاجات شعبية على الجوع والفساد أو بسبب الانقلابات كانت جاليات عربية واجنبية تدفع الثمن إذ تتعرض مصالحها قبل غيرها للنهب والسلب والاعتداءات بكل أنواعها، وكانت حكومات العالم تنشئ جسوراً جوية لإجلاء رعاياها، وكانت العلاقات تتوتر لاحقا بين تحديد المسؤوليات والتعويض... لكن أحداً لم يكن يلتفت الى أصل المشكلة، وهي أن تلك الجاليات لم تنسج علاقات إلا مع الطبقة الحاكمة ولم تساهم في خلق طبقات صناعية وزراعية واقتصادية وبرجوازيات وطنية تشترك معها وتشركها في المنفعة. فعلى سبيل المثال لماذا سيحرق سكان قرية مصنعاً إذا كان صاحبه وعماله والأسر المستفيدة منه من أهل القرية نفسها؟ أما إذا كان صاحب المصنع أجنبياً شريكاً للوزير أو المستشار القريب من الرئيس فلن تحمي مصنعه كل أقسام الشرطة إن جاع الناس.
هذه الأمثلة تطرح نفسها بقوة في الحديث عن الموضوع العراقي والعلاقة مع دول الجوار وبينها الكويت. الفرصة كانت أكثر من ذهبية بعد سقوط صدام حسين الذي ترك نار الانقسامات تحت الرماد ومنع ظهورها بالقبضة الحديدية الأمنية، فعندما انهارت تلك القبضة تقدمت الانقسامات بدل أن تتراجع لأن الكثير من القوى التي احتلت المشهد السياسي ارتأت أن تكمل بالنهج نفسه سواء في التعامل مع قواعدها أو في التعامل مع القوى السياسية الأخرى. كانت الفرصة ذهبية فعلا لإظهار عراق آخر. عراق ينصهر فيه الجميع بعملية تنمية كبرى تعيد بناء ما دمرته حروب صدام ومغامراته.
أذكر أنه بعد سقوط صدام حسين، زارنا في صحيفة «الراي» عدد من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، وأذكر تحديداً حديثاً للأستاذ إبراهيم الجعفري اعتبر فيه أن العراق بثرواته وامكاناته هو عملياً دولة مانحة مثلها مثل الدول المانحة الكبرى وليس دولة تتوسل المساعدات، وأن على العراقيين كي يحتلوا هذه المكانة الدولية ان يعيدوا سريعا صياغة الدولة على أسس ديموقراطية مدنية (وشدد كثيراً على دور القيم المدنية) وأن يقدموا عملية التنمية على أي عملية أخرى. طبعا كان الجعفري ورفاقه يعون حجم التحديات التي تعصف بالعراق وببناء الدولة تحديداً لكنهم كانوا يراهنون على «وعي ما» داخل كل القوى السياسية بلا استثناء لمواجهة هذه التحديات... التي كانت كبيرة الى الدرجة التي جرفت معها كل مسارات الوعي وأحلت محلها كل مسارات الغرائز.
العراق دولة مانحة؟ صدقا أنها تمنيات تختصر الكثير بالنسبة الى شعب هذه الدولة الذي ظلمته الأيام والأشهر والسنون. ليس حلماً أن يكون العراق دولة مانحة لأنه بلد الخير والخيرات، بل الكابوس هو ألا يكون كذلك. بلد فيه النفط والمعادن والزرع والماء والمساحات والعقول والمتعلمون واليد العاملة. فيه الحضارة والتاريخ والغنى العقائدي والتنوع والأماكن الدينية. فيه الموقع الجغرافي الاستراتيجي الخطير الرابط بين خطوط الطول والعرض... ولذلك فوضعه الحالي هو وضع معاكس للطبيعة.
العراق دولة مانحة يعني أنه بخير وأن الكويت بخير، رغم أن بعض من سيقرأ هذه الكلمات سيقول متحسرا: «ليبق العراق دولة متماسكة قبل أن يكون مانحة»... ولكن الاهتمام لو تركز على ثلاجة العراقي وتعليم العراقي وصحة العراقي لبقي العراق دولة متماسكة قوية ومانحة.
جاسم مرزوق بودي
قبل أكثر من عقد من الزمن، وكان التوتر بين الكويت والعراق على أشده، كتبت أن الكويتي يستقر ويرتاح عندما تصبح ثلاجة أفقر عراقي مليئة بالأطعمة أكثر من ثلاجة أغنى كويتي. كانت صورة رمزية لما أردت أن أعبر عنه بالنسبة الى العلاقات بين الدول القريبة من بعضها وتجبرها الجغرافيا على تجاوز بعض التاريخ.
هذه الصورة لم أقصد بها على الإطلاق أي منة أو منحة أو جميل يمكن أن يقوم به طرف لآخر. فالعراق إن أحسن استخدام خيراته يصبح من أغنى دول العالم، والسلطة العراقية - أي سلطة - عليها أن تدرك أن تجييش كل الإمكانات لخدمة التنمية هو في الحقيقة حرب على الانقسامات والتوترات والمشاكل.
كان سؤالا برسم السلطات والحكومات ولم يكن سؤالا يتعلق لا بالكويت ولا بالعراق. إنه أمر يدخل في صلب الحكم وإدارته. في الرؤية القائمة على أن البلد أهم من كل المناصب، ومن الطبيعي ألا تفهم الصورة بالشكل الذي يجب أن تفهم فيه خصوصا أن العالم العربي شهد احتراق دول ومجتمعات من أجل بقاء حاكم حارب الجميع لأنه اعتبر نفسه رمز وحدة البلاد والعباد.
عندما كانت الاضطرابات تعم دولا أفريقية كثيرة سواء بسبب احتجاجات شعبية على الجوع والفساد أو بسبب الانقلابات كانت جاليات عربية واجنبية تدفع الثمن إذ تتعرض مصالحها قبل غيرها للنهب والسلب والاعتداءات بكل أنواعها، وكانت حكومات العالم تنشئ جسوراً جوية لإجلاء رعاياها، وكانت العلاقات تتوتر لاحقا بين تحديد المسؤوليات والتعويض... لكن أحداً لم يكن يلتفت الى أصل المشكلة، وهي أن تلك الجاليات لم تنسج علاقات إلا مع الطبقة الحاكمة ولم تساهم في خلق طبقات صناعية وزراعية واقتصادية وبرجوازيات وطنية تشترك معها وتشركها في المنفعة. فعلى سبيل المثال لماذا سيحرق سكان قرية مصنعاً إذا كان صاحبه وعماله والأسر المستفيدة منه من أهل القرية نفسها؟ أما إذا كان صاحب المصنع أجنبياً شريكاً للوزير أو المستشار القريب من الرئيس فلن تحمي مصنعه كل أقسام الشرطة إن جاع الناس.
هذه الأمثلة تطرح نفسها بقوة في الحديث عن الموضوع العراقي والعلاقة مع دول الجوار وبينها الكويت. الفرصة كانت أكثر من ذهبية بعد سقوط صدام حسين الذي ترك نار الانقسامات تحت الرماد ومنع ظهورها بالقبضة الحديدية الأمنية، فعندما انهارت تلك القبضة تقدمت الانقسامات بدل أن تتراجع لأن الكثير من القوى التي احتلت المشهد السياسي ارتأت أن تكمل بالنهج نفسه سواء في التعامل مع قواعدها أو في التعامل مع القوى السياسية الأخرى. كانت الفرصة ذهبية فعلا لإظهار عراق آخر. عراق ينصهر فيه الجميع بعملية تنمية كبرى تعيد بناء ما دمرته حروب صدام ومغامراته.
أذكر أنه بعد سقوط صدام حسين، زارنا في صحيفة «الراي» عدد من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي، وأذكر تحديداً حديثاً للأستاذ إبراهيم الجعفري اعتبر فيه أن العراق بثرواته وامكاناته هو عملياً دولة مانحة مثلها مثل الدول المانحة الكبرى وليس دولة تتوسل المساعدات، وأن على العراقيين كي يحتلوا هذه المكانة الدولية ان يعيدوا سريعا صياغة الدولة على أسس ديموقراطية مدنية (وشدد كثيراً على دور القيم المدنية) وأن يقدموا عملية التنمية على أي عملية أخرى. طبعا كان الجعفري ورفاقه يعون حجم التحديات التي تعصف بالعراق وببناء الدولة تحديداً لكنهم كانوا يراهنون على «وعي ما» داخل كل القوى السياسية بلا استثناء لمواجهة هذه التحديات... التي كانت كبيرة الى الدرجة التي جرفت معها كل مسارات الوعي وأحلت محلها كل مسارات الغرائز.
العراق دولة مانحة؟ صدقا أنها تمنيات تختصر الكثير بالنسبة الى شعب هذه الدولة الذي ظلمته الأيام والأشهر والسنون. ليس حلماً أن يكون العراق دولة مانحة لأنه بلد الخير والخيرات، بل الكابوس هو ألا يكون كذلك. بلد فيه النفط والمعادن والزرع والماء والمساحات والعقول والمتعلمون واليد العاملة. فيه الحضارة والتاريخ والغنى العقائدي والتنوع والأماكن الدينية. فيه الموقع الجغرافي الاستراتيجي الخطير الرابط بين خطوط الطول والعرض... ولذلك فوضعه الحالي هو وضع معاكس للطبيعة.
العراق دولة مانحة يعني أنه بخير وأن الكويت بخير، رغم أن بعض من سيقرأ هذه الكلمات سيقول متحسرا: «ليبق العراق دولة متماسكة قبل أن يكون مانحة»... ولكن الاهتمام لو تركز على ثلاجة العراقي وتعليم العراقي وصحة العراقي لبقي العراق دولة متماسكة قوية ومانحة.
جاسم مرزوق بودي