الرأي اليوم / حين يتحدث الكبير عن مُخطّط لهدم الدولة

تصغير
تكبير
لم تكن جامعة شاملة قوية مباشرة واضحة فحسب، بل كانت كلمة صاحب السمو الأمير خريطة طريق للخروج بالبلد من الأزمة الراهنة وأي أزمة أخرى سواء كانت حقيقية أم مفتعلة.

بدأها بآية تتحدث عن الفساد والمفسدين: «واحسن كما احسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض أن الله لا يحب المفسدين»، وختمها بالتوكل على العلي القدير: «ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير». وبين البداية والنهاية قلق وحزن واستياء مما شهدته الساحة الكويتية، وتشخيص دقيق جدا لما جرى، وإرادة حازمة في التصدي لأي عبث يمكن أن ينال من وحدة الكويتيين وتماسك مجتمعهم.


وللمرة الأولى، يخرج صاحب السمو عن الإطار التوجيهي العام للنطق السامي ويتحدث بهذا الوضوح وتلك المباشرة ربما لإحساسه بضرورة تحمل الجميع المسؤولية في هذا الظرف العصيب، واستشعاراً منه للخطر المقبل من ثنايا فتنة لم تعرف الكويت لها مثيلا. أبدى سموه استياءه من التناقل المحموم للاتهامات في كل الاتجاهات من غير دراية ولا تمحيص ما أساء إلى سمعة الناس وكراماتهم دون سند أو دليل، راسماً في الوقت نفسه أكثر من علاقة بين الإصرار على إثارة هذه القضية ونشر الاشاعات وبين «مخطط مدروس واسع النطاق يهدف إلى هدم كيان الدولة ودستورها وتقويض مؤسساتها وزعزعة الأمن والاستقرار فيها وشل أجهزتها».

حين يتحدث الكبير عن مخطط مدروس وواسع النطاق لهدم كيان الدولة، فانه يتحدث عن كارثة حقيقية تعادل كارثة الغزو إن لم تتجاوزها، لأن الغزو احتل الأرض ولم ينل من الإرادات ولا من تماسك الكويتيين ووحدتهم ما مكنهم من استعادة الأرض، أما الفتنة التي حملها مخطط لهدم كيان الدولة فهي الأخطر لأنها تعني أن الكويت تتهدم بسواعد أبنائها وانقساماتهم... وأن الأرض عندها تصبح لقمة سائغة للقريب والبعيد.

اليوم، حسم سمو الأمير الموضوع. هناك مخطط مدروس وواسع النطاق لهدم كيان الدولة، ونتمنى أن نتلقى جميعا الرسالة كما يجب:

المواطنون الغيورون على بلدهم يلتفون حول الثوابت والقيم والمبادئ بما يحفظ المؤسسات وكيان الدولة. لا يختبئون خلف أحد ولا يخبئون أحداً. تتكاتف أياديهم لمحاربة الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه ويتقدمون إلى الهيئات المختصة بأي دليل يملكونه عن سرقة مال عام أو تجاوز للقانون... وهنا لا بد من القول إن كرة المسؤولية صارت في ملعب الحكومة والمجلس بشكل رئيسي.

الشباب المندفع يستمر في اندفاعه إنما لخدمة قضايا وطنية حقيقية لا لخدمة اشاعات وفتن، ويوظف طاقاته في خدمة القانون والأصول الدستورية لا لتجاوز القانون وخرق الأصول الدستورية، خصوصا أن تجربة الشباب مع الاندفاع كانت أشبه بمن قدم نفسه قربانا لخدمة آخرين رفضوا تحمل المسؤولية عندما قال القضاء كلمته وكانوا أول من تراجع واختبأ.

المعارضة الوطنية الصادقة تعود إلى البرامج والمشاريع السياسية. تطرح ما تريد في ظل سقف من الحريات لا يعلوه سقف في المنطقة إنما في إطار القنوات القانونية والدستورية. وبعد كلام صاحب السمو اعتقد أن على بعض المعارضين التخلي عن خدمة مشاريع الآخرين الشخصية واحيانا الانتحارية أو الهدامة، والعودة إلى قواعدهم وخطابهم الوطني الجامع الشامل. فان تكون معارضا لكل التركيبة السياسية القائمة من منطلقات وطنية وفكرية ومبدئية أشرف ألف مرة من أن تكون رصاصة في بندقية هذا وذاك يطلقها على... صدر البلد.

نافخو الكير ومشعلو الفتن وحارقو المدن والشوارع من أجل مصلحة شخصية... اتقوا الله في بلدكم، فما بعد خطاب صاحب السمو ليس كما قبله.

اضافة إلى هذه الرسالة، ربط صاحب السمو بين حصانة الداخل والتصدي لرياح الخارج. بين مسؤولية الكويتيين عن أمن وسلامة وسيادة بلدهم وبين مواجهة الكوارث التي تلوح في الافق. بين احساس المواطنة المطلوب توافره في كل لحظة وبين مقاومة الاشاعات والتوترات. بين حسن التصرف انسجاما مع مسيرة الآباء والاجداد وبين مجازاة الإحسان بالإحسان. والأهم من ذلك كله أنه تحدث بحرقة الوالد والقائد وهو يتساءل: «هل ترضون هذا المصير المظلم لأمكم الكويت؟».

«الكوارث على الابواب»، قالها صاحب السمو داعيا من لا يتبصر إلى التبصر، ومطالبا الجميع بأن يدركوا أن «الخلافات والاختلافات والانقسام والجدل العقيم والألاعيب السياسية الخاصة» هي ترف لا يمكننا أن نملكه اليوم وسط الأعاصير التي تموج في فضاء المنطقة. أراد أن يؤكد أن الكيان كله في عين العاصفة الاقليمية، وأن من يعتقد أنه سيربح بالالاعيب السياسية الخاصة في بلد خاسر هو مجرد واهم كي لا نقول أكثر من ذلك. وكم كان الشيخ صباح واضحاً في تحذيره أن الكويت تتعرض لأخطار جسيمة وتواجه تحديات خطيرة... وأن النيران المشتعلة حولنا يكاد لظاها يصلنا.

من هنا، وبتأكيده عدم التهاون مع الفساد وانتهاك المال العام وتجاوز القانون، وبمطالبته الجميع تقديم ما لديهم إلى الجهات المختصة، إلا انه رسم خطا لذلك بالقول إن ذلك يجب أن يتم عبر القنوات القانونية. لأن عكس ذلك الفوضى.

وبتأكيده أن الكويت هي بلد الحريات إلا أن سموه رسم خطاً بين الحريات والفوضى «ولا خير في حرية تهدد أمن الكويت وسلامتها ولا خير في حرية تنقض تعاليم ديننا وشريعتنا»، وصولا إلى «لا خير في حرية» تمس احترام القضاء وتتجاوز القانون وتشيع الفتنة والتعصب وتجلب الفوضى والخراب والدمار.

وعلى رغم الحرقة التي بدت في كلام سموه، والتحليل الدقيق لمجريات الامور، والمخاوف التي عبر عنها في أكثر من موقع في نطقه السامي... إلا أن سموه أبى إلا أن يختم رسالته باعلانه اليقين الثابت «بأن كويتنا الغالية بأهلها الأوفياء عصية على كل من أراد بها سوءاً وستظل دوماً بعون الله موطن الأمان والرخاء ومنارة للحضارة والازدهار محفوظة بعناية المولى ورعايته».

مرة أخرى... صباح الأحمد كبيرنا قبل أن يكون أميرنا ووالدنا قبل أن يكون قائدنا.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي