الرأي اليوم / ... وأبناؤنا يا مستر أوباما؟

تصغير
تكبير
بنبرة ظاهرها قوي وباطنها ضعيف، أعلن الرئيس باراك أوباما أن صفقة التبادل بين الرقيب في الجيش الأميركي بوي بيرغدال المخطوف وخمسة من قيادات طالبان في غوانتانامو تمت بنجاح، وانه تلقى تأكيدات بتعزيز «حماية أمننا القومي».

كيف سيتم تعزيز الأمن القومي الأميركي يا مستر أوباما؟ يجيب عن السؤال الناطق باسم البيت الأبيض بقوله إن تهديد المعتقلين السابقين الخمسة الذين كانوا مسؤولين بارزين في نظام طالبان الذي اطاحه المارينز «قد تم إضعافه بشكل كافٍ»، وأن الإجراءات التي تم اتخاذها بالاتفاق مع قطر التي كان لها دور الوساطة «تجعلنا نشعر بالثقة بأن التهديد قد انخفض بشكل كبير».


هذه الصفقة وتلك المبررات تطرحان اسئلة كثيرة... وتثيران شجونا كويتية.

مبدئيا، إدارة الرئيس أوباما تفاوضت مع حركة طالبان التي جيشت العالم كله للاطاحة بها سابقا باعتبارها منبع الإرهاب، وسواء تم ذلك مباشرة أو بالواسطة فإن التفاوض حصل وخرج بنتائج.

استمرار حجز بعض الموقوفين في غوانتانامو من دون تهم هو عمل لا شرعي ولا أخلاقي، والتفاوض مع مجموعة إرهابية (حسب التصنيف الأميركي والدولي) خطفت شخصاً أميركياً «تشريع» غير اخلاقي لعملية الخطف كون النتائج خرجت بما أراده الخاطفون... وهذا التفاوض أدى إلى اجراءات «ستعزز الأمن القومي الأميركي» كما قال أوباما، انما كيف تتعزز الحماية وهذا الأمر سيفتح الباب لجميع عناصر «القاعدة» وغير «القاعدة» لسن سنة طالبان في خطف أميركيين والتفاوض على اطلاقهم مقابل شروط مشابهة تشمل أسماء جميع القيادات الموقوفة اليوم في أميركا... أوباما فتح باب جهنم على الأمن القومي الأميركي وليس العكس.

إن شهية خطف الأميركيين التي غذتها خطوة أوباما سترتب على الإدارة الأميركية اتخاذ خطوات واجراءات حماية ليس للعسكريين فحسب بل لحماية المدنيين أيضاً، فالرقيب الذي كان مخطوفاً ليس أكثر قيمة من أي سائح أميركي في القارات الخمس، وخصوصا في الدول التي تضعف فيها سلطة الدولة على بعض المناطق من جهة وتعشش فيها خلايا المتطرفين النائمة من جهة أخرى. ولا يمكن للإدارة الأميركية ان تتيقن ان خطف الأميركيين فرضية غير مطروحة فقط لمجرد ان أوباما سائر في طريق الانسحاب من مناطق الاشتباك السابقة وآخرها في افغانستان.

ومبدئياً أيضاً، على الإدارة الأميركية ان تواجه الأميركيين الذين أرسلوا أبناءهم للقتال في الحرب العالمية على الإرهاب، فالجنود الأميركيون ماتوا في افغانستان لانهاء نظام طالبان ومن يختبئ في عباءته، ثم يكتشف هؤلاء بعد كل هذه السنوات ان الإدارة تتفاوض مع نظام «حي» لاسترجاع جندي مخطوف.

هل كانت عملية التفاوض مدخلاً لتفاوض آخر مع طالبان حول أمور غير الخطف والتبادل؟ هل تريد الإدارة الأميركية ان تحمي انسحاب جنودها من افغانستان باعادة اطلاق يد طالبان في الحكم والسياسة؟ وهل سيكون مستقبل افغانستان السياسي رهين الصراع الدموي مجدداً بين القبائل والتيارات والمناطق والطوائف؟ وماذا عن التفاوض «الدموي» القائم الآن بين واشنطن و«القاعدة»؟ هل سيتحول أيضاً إلى تفاوض «أمني» وسياسي مستقبلا؟

طبعا، الاسئلة كثيرة وكلها تصب في اجابة واحدة مفادها ان عهد اوباما هو الأكثر تغليباً للمصالح على المبادئ وان كان الاكثر تشدقا بالمبادئ الى الدرجة التي تجعل من يستمع الى خطاباته وتنظيراته ومثالياته يشعر بالغثيان... مع العلم ان الايام ستكشف ان سياسة اوباما اللامبدئية في الكثير من دول العالم، واولها منطقتنا العربية، لم تخدم المصالح أيضاً.

نأتي الى الشجون الكويتية. اذا كان خمسة من قيادات طالبان، أي من قيادات النظام الذي اسس دولة التطرف وفتح ساحاتها ومعسكراتها لـ «القاعدة»، اطلقوا بعدما تم اضعاف تهديداتهم بشكل كافٍ حسب تصريح البيت الابيض فلماذا يستمر حجز الكويتيين في غوانتانامو؟ هل هما أخطر من قيادات طالبان؟ هل تهديداتهما لم يتم اضعافها بشكل كاف اسوة بقيادات طالبان الذين خرجوا؟ هل حوكما وتبين ماذا كانت ادوارهما في افغانستان وما هي التهم التي تورطا فيها؟ هل فاوضت الادارة الاميركية حكومة صديقة لها اسمها حكومة الكويت حول الضمانات التي يمكن ان تعطى في حال اطلاق هذين المحتجزين؟

نتحدث هنا من موقع الصداقة والاحترام والامتنان للاميركيين الذين ساهموا في تحرير بلدنا من غزو صدام حسين، ومجدداً نحمد الله ان الغزو لم يحصل وفي البيت الابيض رئيس اسمه باراك اوباما لانه كان سيقرر عدم ارسال قوات أولاً ويمضي الوقت في التفاوض مع صدام حسين ثانياً «لتخفيف معاناة الكويتيين اللاجئين»... نتحدث من موقع الصداقة ونتمنى ألّا نفهم خطأ ونسأل: هل يرسل البيت الابيض رسالة الى ذوي المحتجزين الكويتيين في غوانتانامو بغير حق للتعامل مع ملف ابنائهما بالطريقة التي تعاملت بها طالبان؟

طبعا الجواب عن هذا السؤال نبدأ به نحن اهل الكويت ونقول ان خطف اي اميركي او الاساءة له او حتى التعرض له كلها امور مرفوضة ومدانة ولا ارضية او آفاق لها، ونذكر بأن ذوي المحتجزين الكويتيين تعاملوا مع ملفات هذه القضية بكل رقي وتحضر من خلال الاطر القانونية والدستورية الاميركية وعبر محامين اميركيين وهيئات انسانية دولية... ولكن ألا يجب أن يأتي الجواب من الادارة الاميركية بوجوب اغلاق معتقل غوانتانامو واحالة المحتجزين الى المحاكم واطلاق من لم تثبت تهمهما؟

للتذكير... فقط للتذكير. اوباما اول من دعا الى اغلاق هذا المعتقل عندما انتخب للمرة الاولى، لكن دعواته يظهر انها من قبيل «قلوبنا معكم وسيوفنا عليكم». ابناؤنا يا رئيس الدولة العظمى في العالم ليسوا ولم يكونوا اكثر خطرا من قيادات طالبان الذين اطلقتهم نتيجة مبادرة ارهابية ناجمة عن خطف... أطلق ابناءنا بمبادرة أخلاقية قانونية إنسانية واخطف احترامنا واعجابنا وتقديرنا.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي