الرأي اليوم / لا عذر للمجلس

تصغير
تكبير
تجاوزت الطائرة البرلمانية الكويتية عدداً من المطبات الجوية والأرضية لدى إقلاعها. بعضها كان مؤسفا وقاسياً وبعضهاً الآخر كان من باب الفقاعات الالهائية التي عكست نفوس أصحابها أكثر مما عكست أي حقيقة سياسية.

حصل ما حصل، وتلاقت مصالح شيوخ سفهاء وتجار سياسة ومعارضين على عرقلة عمل مجلس الأمة الجديد وكل من منطلقات معينة ومبررة حتى في الإطار الشخصي أحيانا، فالكويتيون يعرفون اليوم لماذا يستبق شيخ معين إجراءً قد يتخذه المجلس ضد قضية فساد بإثارة قضية وهمية من أجل إشغال الناس وإشعال الشارع، والكويتيون يعرفون اليوم لماذا يتقدم تجار السياسة الأزمات كونهم لا يبيعون ولا يشترون في أيام الاستقرار، والكويتيون يعرفون ويفهمون لماذا تجهد شخصيات وتيارات سياسية معارضة لضرب البرلمان وإعادة النظام الانتخابي الى ما يعتبرون أنه يحقق لهم وجوداً أكبر في الحياة السياسية.


طبعا الناس تفهم موضوع الشيوخ وتجار السياسة ولا تتفهمه بينما تفهم وتتفهم موضوع الحراك المعارض رغم أن الحياة السياسية في الكويت ليست مجلس الأمة فقط بل إن للمعارضة في كل دول العالم بريقاً سياسياً لا تعرفه الموالاة... وسلطة سياسية أحيانا لا تعرفها الموالاة.

حصل ما حصل، وستحصل أمور كثيرة في الطريق، لكن الصلابة التي ميزت عملية مواجهة المطبات راكمت تجربة مهمة لتلافيها مستقبلاً... وما يهمنا اليوم هو أن نتوجه إلى المجلس، رئاسة وأعضاء، لنقول إن لا عذر لديه في التقصير، وأن المحك الحقيقي لدوره لا يكمن في تجاوز المطبات فقط بل في الإنجاز والتطوير. بمعنى آخر فإن الكويتيين الذين صوتوا لهذا المجلس لم يفعلوا ذلك من أجل اختبار قدرته على التصدي للسهام التي ستتوجه نحوه بعد أزمة سياسية لم تتعاف منها البلاد نهائيا بعد، بل صوتوا له من أجل أن يقدم نموذجاً مختلفاً للعمل والتشريع والرقابة خصوصا أن ملفات كثيرة تهم المواطن ما زالت حبيسة التخلف الإداري والروتين والإهمال القاتل.

مجلس الأمة مطالب اليوم بأن يكون سلطة حقيقية للتشريع والرقابة. إنجازه الأكبر يكمن في قدرته على إيجاد مسارب لتنفيذ القوانين الجيدة الموجودة بعدما خنقتها التفسيرات والاجتهادات، وعلى تغيير أو تطوير بعض القوانين التي عفى عليها الزمن ولم تعد تجاري العصر ولا حاجاته، وعلى تعديل بعض القوانين لتسهيل إخراج المشاريع إلى النور خصوصا تلك المتعلقة بتطوير الاقتصاد وتحقيق رؤية سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد بتحويل الكويت إلى مركز مالي... باختصار المطلوب إما تحرير القوانين من ملفات الروتين والتخلف وإما تعديلها وتغييرها كي ينطلق قطار التنمية بعدما أصاب هيكله الصدأ لكثرة توقفه في المحطات.

ونتمنى ألا يفهم في موضوع القوانين التركيز على الشعبية منها والتي أشبهها بـ«الحمل الكاذب» لكثرة الوعود المتسربة منها والتي وصلت حد مزرعة لكل مواطن وشاليه لكل طالب سكن ومضاعفة الرواتب ومنح بدائل مجزية لكل من يريد ترك عمله من الجنسين والجلوس في المنزل لـ«مجابل» وسائط التواصل الاجتماعي. إن القوانين التي تكسب بعض النواب شعبية مرحلية على حساب المستقبل إنما هي جريمة بحق الأجيال المقبلة التي تريد أرضية اقتصادية صلبة لا خزائن فارغة.

وهنا، لابد من التمني على نواب الأمة في موضوع التشريع ألا يسنوا سنة غيرهم الذين حولوا قاعة التشريع الى غرفة تخليص معاملات للمواطنين من نقل وندب وتعيين وواسطات وعلاج في الخارج وحشر الإدارات بالأهل والأقارب وأبناء القبيلة والمذهب، فهذا النوع من التشريع هو تشريع للفوضى والفساد مستقبلا من خلال تكريس الولاءات على أسس مناطقية ومذهبية وقبائلية لا على أسس وطنية، وتشريع للاهتزاز السياسي من خلال فزعة المستفيد من الذي أفاده على اعتبار أنه مرجعيته لا الدولة ولا المؤسسات.

أعرف أن الأمر سيكون صعباً على النواب الحاليين الذين يرون في إنجاز المعاملات مصلحة انتخابية، لكننا نحاول بالكلمة، وبالكلمة فقط، أن نحلم بدولة مؤسسات حقيقية لا يمكن أن تكون بدايتها إلا من المجلس.

ومع التشريع هناك الرقابة، وليسمح لي الأخوة الأعزاء في المجلس رئيساً وأعضاء أن نسأل عن نتائج الجولات الميدانية التي قاموا بها على عدد من المشاريع التربوية والصحية التي لم تنجز أو المعطلة والمجمدة أو تلك التي أنجزت ولم نستفد منها في شيء. ربما كان يفترض أن يصدر المجلس بعد كل جولة كتيباً صغيراً يتضمن أبرز ما أنجز وأبرز الأخطاء والمعوقات مع تحديد المسؤوليات الوزارية. فهذا الأمر إن أعلن تفصيليا فسيشرك المواطن العادي في جهود الرقابة ويعطيه صورة عن مكامن الخلل الموجودة... وما زال الوقت متاحاً لمثل هذه الخطوات كي لا تكون الجولات مناسبة لزيادة معرفة أعضاء الأمة بمعوقات المشاريع فقط.

ورغم التفهم الذي يبديه الناس لمفهوم التعاون بين السلطتين إلا أن التعاون لا يعني بأي حال من الأحوال تخفيف الرقابة على الأداء الحكومي ككل وعلى أداء الوزراء تفصيلا. هناك ملفات فساد في غالبية الإدارات والمؤسسات المطلوب فتحها من منطلقات وطنية لا من منطلقات شخصية أو مصلحية أو انتخابية، وهناك تقصير وتلكؤ وأخطاء تتم، وهناك تباطؤ في تنفيذ المشاريع، وهناك خلل إداري مخيف في الوزارات خصوصا الوزارات الكبيرة نتيجة اختلاف الرؤى والأهداف بين الوكلاء أنفسهم وبين الوكلاء ووزيرهم. وكل هذه الأمور يجب أن تكون تحت مجهر المجلس إنما من خلال ملفات واقعية ومدروسة ومدعمة بوثائق ودلائل كي لا يتحول الموضوع شخصيا.

... وكم يؤلمنا حقيقة أن نسمع أحيانا عن تهديد نائب باستجواب وزير فقط لأنه أخر له معاملة أو لأنه نقل مسؤولاً من مذهب معين، بينما قضايا كبيرة موجودة وفيها خلل ومخالفة للقانون وهدر للمال العام وصاحبنا لا يريد أن يراها. وكم يؤلمنا أكثر أن نسمع من نائب اختلف مع وزير قولاً مثل: «سكت عنك كثيراً لكنني لن أسكت بعد اليوم»... لا يا سيدي، سكوتك بحد ذاته إدانة ومشاركة في الفساد... «لا تزني ولا تتصدقي»، لا تسكت ولا تفضح.

لا عذر للمجلس بعد الآن، حتى ولو كثرت المطبات والعراقيل في وجهه، فالناس تنتظر منه أن يكون بديلا وأن ينجز، أما إذا لم يفعل فيكون قد جنى على نفسه... وحساب الناس أقسى من حساب الخصوم السياسيين.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي