الرأي اليوم / الإسلام السياسي ... آن أوان المراجعة


نصحني الكثير من الأصدقاء ألا أخوض في موضوع الإسلام السياسي وألا أخلط بينه وبين الظواهر المتطرفة التي تحتل المشهد الإعلامي، على أساس أن الإسلام دين ودنيا وأن أحكامه واجبة التنفيذ وأن أي ملاحظة في هذا المجال تدخل المرء في المحظور وتجعله عرضة لسهام هو في غنى عنها.
ومع ذلك سأتحدث عن الإسلام السياسي وعن ظواهره المتطرفة.
بداية لنكن صادقين مع أنفسنا. ليس هناك حتى اللحظة في الإسلام السياسي تعريف واحد محدد للعلاقة بين الدين والدولة، ولشكل الدولة، وللأحكام التي تنظم علاقة الدولة بمواطنيها. هناك من لا يزال يعتقد أن الخلافة هي الهيكل الإداري الأسلم، أو الإمارة أو الملكية، وهناك من يعتبر أن الإسلام السياسي يمكن أن يتأقلم مع الجمهوريات، وهناك من يرى أن الديموقراطية تصلح، أو أنها كفر، أو أن الشورى أفضل، أو أن الشورى غير ملزمة، أو أن رأس الدولة هو الخليفة بثوب الرئيس أو الملك أو الزعيم أو الأمير. وهناك من يرى في الشريعة مصدراً وحيداً للتشريع، أو مصدراً من مصادر التشريع، أو يمكن أن تدخل بعض بنودها في دساتير مدنية... وقس على ذلك في كل شيء بدءاً من الأحكام وانتهاء بحقوق المرأة والمواطن والحريات.
هذا في المبدأ... في العنوان، أما في التفاصيل، فالأمر انتقل من الخطأ إلى الخطيئة إلى الكابوس إلى الكارثة، والمؤلم أن هناك من يمتهن التبرير ويستميت للإبقاء على التجربة بحجة أنها قابلة للتصحيح. يتعاون «المجاهد» مع الأميركي ضد السوفياتي فنجد من يبرر ويصفق، ثم يتخاصم مع الاميركي ويفجر أبنية ويقتل مدنيين فنجد من يبرر ويصفق، ثم ينقض «المجاهد» العائد إلى دولته من ساحات بعيدة على الآمنين فنجد من يصفق ويبرر، ثم ينقض على أهداف في دول قريبة وأخوة له في الدين ونجد من يصفق ويبرر.
«إنهم يخطئون ولابد أن يعودوا إلى رشدهم لأن الإسلام السياسي غير ذلك»... يقول المبررون وهم لا يعلمون أنهم يبررون القتل. «صحيح أنهم خرجوا من شعار الدولة الإسلامية إلا أنهم تطرفوا والتطرف مذموم»... يا الله على هذا الكلام، وكأننا نبرىء ساحتنا وضمائرنا وذممنا من أي علاقة من دون أي غلو في محاربة الغلو. لماذا؟ لأن المشروع الإسلامي - يقولون - بحاجة إلى هؤلاء المجاهدين إنما وفق منظومة راشدة ومؤسساتية لا وفق منظومات متنقلة متفرعة». أي أن من برر وصفق في البداية وندد بخجل في المنتصف يريد في النهاية لظاهرة المتطرفين أن تنضم للإسلام السياسي كما أراده مؤسسوه، بعدما هددوا السلطات الموجودة أو العالم الغربي بأنهم إن لم يأتوا هم كإسلام معتدل إلى السلطة فسيأتي «المجاهدون» المتطرفون.
فهمنا الإسلام كمنظومة إنسانية متكاملة مهمتها الأساسية أن يكون المسلم فيها الأكثر مجاراة للتطور والعصرنة والحداثة. عظمة الإسلام أنه زودنا بقيم عظيمة لنكون الأقدر في كل زمن على حمل الرسالة طالما انه خاطب عقلنا قبل كل شيء وطالما أكرمنا بأن نكون خلفاء الله في أرضه. بالعلم، بالعمل، بالمجادلة بالتي هي أحسن، بالتألق المهني والعلمي، بمد الجسور مع الآخرين والانفتاح على كل التجارب المفيدة، بالثقافة، بالفكر، بالفنون...
هكذا علمنا الإسلام. هذه هي فلسفته في العبادة وإعمار الأرض، وإذا كان الاجتهاد توقف فإن عقولنا لا تتوقف. ولذلك فنحن يجب أن نكون الرواد في قيم الدساتير الحديثة والمجتمع المدني إن كان تطور الأمم يعبر من خلالها، وأن نكون الرواد في مختلف مجالات العلوم واللغات والثقافات والحوار إن كان التحضر يعبر من خلالها، وأن نكون الرواد في مختلف مجالات العمل وعالم المهن والمال والاقتصاد والصناعة والزراعة إن كانت التنمية تعبر من خلالها... فهل نحن كذلك أم أن للإسلام السياسي مفاهيم أخرى؟
عود على بدء، ليس هناك حتى اللحظة في الإسلام السياسي تعريف واحد محدد للعلاقة بين الدين والدولة، ولشكل الدولة، وللأحكام التي تنظم علاقة الدولة بمواطنيها، فلا تطلبوا من مئات الحركات المتطرفة والطائفية التي خرجت من عباءته أن يكون لها تعريف واحد محدد لشكل «الإمارة» وأحكام الحكم والقضاء الشرعي والعلاقات بين «أمراء» و«شيوخ» الجهاد من كل المذاهب الإسلامية وعامة الناس... ولا يمكن أن نتجاهل أن هؤلاء يصدرون اليوم آلاف الفتاوى المتناقضة التي تجد طريقها إلى التنفيذ في المناطق التي يسيطرون عليها، فمن كان من مذهب آخر يُعدم، ومن نسي آية الكرسي يشنق، ومن أخطأ في عدد ركعات صلاة الفجر تطلق عليه النار أمام الكاميرات. وإن سألت فستجد «قضاة شرعيين» قرب هؤلاء يخرجون لك فتوى تبرر «الذبح الحلال» استنادا إلى تفاسير خاصة للدين.
من صفق لـ«المجاهد» وهو يتدرب عند الجندي الأميركي لمحاربة السوفياتي ثم وهو يفجر برج التجارة ثم وهو يفجر السفارات والمدارس والأسواق والمنشآت داخل الدول العربية، عليه ألا يستغرب كيف يقتل متطرفون الأجنة في بطون أمهاتهن استناداً إلى تفسيرهم الخاص للدين ولا كيف تسبي «بوكو حرام» البنات ولا كيف تقطع «المحاكم» في الصومال الرؤوس والأيادي والأرجل ولا كيف تفجر قاعدة اليمن المستشفيات ولا كيف تتصرف «داعش» أو «النصرة» أو غيرهما.
سيقولون إن الإسلام السياسي لا يمت لذلك بصلة، ولكن من قال إن العرب والمسلمين - وهم مسلمون مؤمنون متدينون في غالبيتهم- يحتاجون إلى الإسلام السياسي لإدارة دولهم ومجتمعاتهم واقتصادياتهم؟ ومن يضمن ألا يتراجع الإسلام السياسي كعنوان وتحضر ممارسات «الأمراء» و«الشيوخ» كتفاصيل؟ ولماذا اعتبر هؤلاء أن عظمة القيم الدينية الروحية في العبادة والإعمار غير كافية لبناء أمم قوية متطورة حديثة حضارية وبالتالي لابد من تسييس هذه القيم؟
أعتقد أن الأوان آن لمراجعة العنوان لا الاكتفاء بالتنديد بالتفاصيل... والله اعلم!
جاسم بودي
ومع ذلك سأتحدث عن الإسلام السياسي وعن ظواهره المتطرفة.
بداية لنكن صادقين مع أنفسنا. ليس هناك حتى اللحظة في الإسلام السياسي تعريف واحد محدد للعلاقة بين الدين والدولة، ولشكل الدولة، وللأحكام التي تنظم علاقة الدولة بمواطنيها. هناك من لا يزال يعتقد أن الخلافة هي الهيكل الإداري الأسلم، أو الإمارة أو الملكية، وهناك من يعتبر أن الإسلام السياسي يمكن أن يتأقلم مع الجمهوريات، وهناك من يرى أن الديموقراطية تصلح، أو أنها كفر، أو أن الشورى أفضل، أو أن الشورى غير ملزمة، أو أن رأس الدولة هو الخليفة بثوب الرئيس أو الملك أو الزعيم أو الأمير. وهناك من يرى في الشريعة مصدراً وحيداً للتشريع، أو مصدراً من مصادر التشريع، أو يمكن أن تدخل بعض بنودها في دساتير مدنية... وقس على ذلك في كل شيء بدءاً من الأحكام وانتهاء بحقوق المرأة والمواطن والحريات.
هذا في المبدأ... في العنوان، أما في التفاصيل، فالأمر انتقل من الخطأ إلى الخطيئة إلى الكابوس إلى الكارثة، والمؤلم أن هناك من يمتهن التبرير ويستميت للإبقاء على التجربة بحجة أنها قابلة للتصحيح. يتعاون «المجاهد» مع الأميركي ضد السوفياتي فنجد من يبرر ويصفق، ثم يتخاصم مع الاميركي ويفجر أبنية ويقتل مدنيين فنجد من يبرر ويصفق، ثم ينقض «المجاهد» العائد إلى دولته من ساحات بعيدة على الآمنين فنجد من يصفق ويبرر، ثم ينقض على أهداف في دول قريبة وأخوة له في الدين ونجد من يصفق ويبرر.
«إنهم يخطئون ولابد أن يعودوا إلى رشدهم لأن الإسلام السياسي غير ذلك»... يقول المبررون وهم لا يعلمون أنهم يبررون القتل. «صحيح أنهم خرجوا من شعار الدولة الإسلامية إلا أنهم تطرفوا والتطرف مذموم»... يا الله على هذا الكلام، وكأننا نبرىء ساحتنا وضمائرنا وذممنا من أي علاقة من دون أي غلو في محاربة الغلو. لماذا؟ لأن المشروع الإسلامي - يقولون - بحاجة إلى هؤلاء المجاهدين إنما وفق منظومة راشدة ومؤسساتية لا وفق منظومات متنقلة متفرعة». أي أن من برر وصفق في البداية وندد بخجل في المنتصف يريد في النهاية لظاهرة المتطرفين أن تنضم للإسلام السياسي كما أراده مؤسسوه، بعدما هددوا السلطات الموجودة أو العالم الغربي بأنهم إن لم يأتوا هم كإسلام معتدل إلى السلطة فسيأتي «المجاهدون» المتطرفون.
فهمنا الإسلام كمنظومة إنسانية متكاملة مهمتها الأساسية أن يكون المسلم فيها الأكثر مجاراة للتطور والعصرنة والحداثة. عظمة الإسلام أنه زودنا بقيم عظيمة لنكون الأقدر في كل زمن على حمل الرسالة طالما انه خاطب عقلنا قبل كل شيء وطالما أكرمنا بأن نكون خلفاء الله في أرضه. بالعلم، بالعمل، بالمجادلة بالتي هي أحسن، بالتألق المهني والعلمي، بمد الجسور مع الآخرين والانفتاح على كل التجارب المفيدة، بالثقافة، بالفكر، بالفنون...
هكذا علمنا الإسلام. هذه هي فلسفته في العبادة وإعمار الأرض، وإذا كان الاجتهاد توقف فإن عقولنا لا تتوقف. ولذلك فنحن يجب أن نكون الرواد في قيم الدساتير الحديثة والمجتمع المدني إن كان تطور الأمم يعبر من خلالها، وأن نكون الرواد في مختلف مجالات العلوم واللغات والثقافات والحوار إن كان التحضر يعبر من خلالها، وأن نكون الرواد في مختلف مجالات العمل وعالم المهن والمال والاقتصاد والصناعة والزراعة إن كانت التنمية تعبر من خلالها... فهل نحن كذلك أم أن للإسلام السياسي مفاهيم أخرى؟
عود على بدء، ليس هناك حتى اللحظة في الإسلام السياسي تعريف واحد محدد للعلاقة بين الدين والدولة، ولشكل الدولة، وللأحكام التي تنظم علاقة الدولة بمواطنيها، فلا تطلبوا من مئات الحركات المتطرفة والطائفية التي خرجت من عباءته أن يكون لها تعريف واحد محدد لشكل «الإمارة» وأحكام الحكم والقضاء الشرعي والعلاقات بين «أمراء» و«شيوخ» الجهاد من كل المذاهب الإسلامية وعامة الناس... ولا يمكن أن نتجاهل أن هؤلاء يصدرون اليوم آلاف الفتاوى المتناقضة التي تجد طريقها إلى التنفيذ في المناطق التي يسيطرون عليها، فمن كان من مذهب آخر يُعدم، ومن نسي آية الكرسي يشنق، ومن أخطأ في عدد ركعات صلاة الفجر تطلق عليه النار أمام الكاميرات. وإن سألت فستجد «قضاة شرعيين» قرب هؤلاء يخرجون لك فتوى تبرر «الذبح الحلال» استنادا إلى تفاسير خاصة للدين.
من صفق لـ«المجاهد» وهو يتدرب عند الجندي الأميركي لمحاربة السوفياتي ثم وهو يفجر برج التجارة ثم وهو يفجر السفارات والمدارس والأسواق والمنشآت داخل الدول العربية، عليه ألا يستغرب كيف يقتل متطرفون الأجنة في بطون أمهاتهن استناداً إلى تفسيرهم الخاص للدين ولا كيف تسبي «بوكو حرام» البنات ولا كيف تقطع «المحاكم» في الصومال الرؤوس والأيادي والأرجل ولا كيف تفجر قاعدة اليمن المستشفيات ولا كيف تتصرف «داعش» أو «النصرة» أو غيرهما.
سيقولون إن الإسلام السياسي لا يمت لذلك بصلة، ولكن من قال إن العرب والمسلمين - وهم مسلمون مؤمنون متدينون في غالبيتهم- يحتاجون إلى الإسلام السياسي لإدارة دولهم ومجتمعاتهم واقتصادياتهم؟ ومن يضمن ألا يتراجع الإسلام السياسي كعنوان وتحضر ممارسات «الأمراء» و«الشيوخ» كتفاصيل؟ ولماذا اعتبر هؤلاء أن عظمة القيم الدينية الروحية في العبادة والإعمار غير كافية لبناء أمم قوية متطورة حديثة حضارية وبالتالي لابد من تسييس هذه القيم؟
أعتقد أن الأوان آن لمراجعة العنوان لا الاكتفاء بالتنديد بالتفاصيل... والله اعلم!
جاسم بودي