الرأي اليوم / هل بالهجوم على القضاء يحارب الفساد؟

تصغير
تكبير
الموضوع حساس تلفه محاذير ولذلك سأخوض فيه بشكل مباشر. ما هي العلاقة بين محاربة الفساد ومهاجمة القضاء؟

الفساد موجود في كل العالم، في الدول المتقدمة والدول المتخلفة. لا وجود للمدينة الفاضلة إلّا في رأس كاتبها وامنياته. والفساد أنواعه كثيرة وما خفي منها أحياناً كان أعظم مما ظهر، وقد احدث علماء الادارة الفرنسيون ثورة حقيقية عندما أعطوا تعريفات أخرى للفساد تجاوزت موضوع الرشوة والسرقات والاستفادة بغير حق واستخدام المناصب للمصالح وغض النظر عن تجاوز القوانين، اذ اعتبروا التقاعس الوظيفي مثلا، أو وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب، أو التقصير في العمل، أو الواسطات، أو عدم الانتاج كما يجب، أو الاشادة المبالغ فيها بموظف لا يستحق، أو حتى قراءة الصحيفة اثناء الدوام واستخدام أجهزة الهاتف لامور شخصية أو تمضية أكثر من دقائق قليلة في شرب القهوة أو الشاي... كلها من أنواع الفساد.


الفساد، إذاً، موجود منذ بدء الخليقة في كل العالم وفي الكويت، لكن الفارق بين العالم المتحضر والكويت ان محاربة الفساد هناك تتم وفق بيانات وأدلة مثبتة وموثقة وبمعيار واحد ومن خلال القضاء ولغايات وطنية عامة، أما هنا فتتم في احيان كثيرة وفق اتهامات وبلا ادلة وبمعايير مزدوجة ومثلثة ومربعة وعبر مهاجمة القضاء ولغايات شخصية أو سياسية أو ظرفية.

منذ سنوات كثيرة، ولنقل منذ التحرير، وشخصيات كويتية معارضة (بعضها لم يعد كذلك) ترفع سقف الحرب على الفساد مثيرة الكثير من الغبار الذي لا ينجلي إلا عن مزيد من... الفساد. باستثناء قضايا نادرة ومعروفة، لم يقدم هؤلاء اي مستند أو دليل يساعد المجتمع الكويتي والسلطة على التغيير والتخلص من هذه الآفة. والمفارقة المؤلمة أن شخصاً واحدا من عشرات «الفاسدين» الذين شملتهم الحملات لم يحل الى النيابة ولم تعرض ادلة «فساده» على احد باستثناء الكلام في الندوات والمؤتمرات والمنتديات، والنتيجة ان عشرات الفاسدين صاروا بالمئات وربما بالآلاف.

يبدأون بأن هناك رشوات بمليون أو مليونين تعطى لفلان كي يهاجم أو يعرقل وصول فلان الى منصب ما، وبأن لديهم مستندات دامغة على ذلك، وبأن طرفا ما من التجار أو المقتدرين المقربين من السلطة دفع خمسة ملايين لدعم وصول هذا أو ذاك الى المجلس النيابي وان لديهم مستندات دامغة على ذلك، وان شخصا حصل بشكل غير مشروع على مناقصة ضخمة بمبلغ اكبر بكثير مما يجب وان لديهم مستندات دامغة على ذلك. وغيرها وغيرها من القصص التي ملأت الاعوام الماضية. في المقابل لا يقدم بلاغ واحد الى القضاء ولا مستند ولا دليل ولا اثبات. وان قدمت قضايا فانما تقدم ناقصة كل مستلزماتها ومتطلباتها وتحفظ لعدم كفاية الادلة.

والنتيجة؟ ان من وضع قدمه في طريق الفساد أمعن فيه، وان الفاسدين استفادوا من تحويل شخصيات معارضة لقضيتهم من قضية تهم المجتمع بأسره وتنتصر للعدالة الى قضية تخدم مشروعاً سياسياً هنا وانتخابياً هناك، وأكبر دليل على ان الفاسدين استفادوا من ذلك، ان المعارضة التي كانت تتحدث عن فساد بمليونين وخمسة وعشرة قبل عقد هي نفسها اليوم تتحدث عن عمليات فساد بمليارات الدنانير.

والنتيجة الاخرى، ووفق مصطلح ان الفساد لا يتجزأ، فان شخصيات كثيرة في المعارضة أمعنت أيضا في الفساد الاداري من خلال تحولها الى رأس حربة في الواسطات والتعيينات على قاعدة المحسوبيات والمعاملات الانتخابية وحشر الادارة بالمنتفعين لانهم اقارب وابناء قبيلة أو مذهب أو طائفة أو منطقة لا لانهم الاكفأ. وأمعنت أيضا في الفساد الوطني من خلال اعتمادها خطابا مذهبيا انقساميا تحريضيا فقط لانه يكسبها انتخابيا ويوصلها الى كرسي المجلس. بل نجزم ان بعض المعارضين اليوم ما زالوا يتمتعون بالاولوية والافضلية في خدمات بعض الوزارات وان معارضين آخرين استاؤوا من هذه الاولوية وسنراهم يخوضون الانتخابات المقبلة وفق الصوت الواحد لتعود اليهم مزاياهم كما يفهمونها.

المأساة، هو أنك عندما تقول اليوم ان هناك قضية فساد بمليون أو مليونين لا يلتفت اليك احد بعدما صارت الارقام فلكية وبعشرات المليارات. وبغض النظر عن المبالغات التي تعودنا عليها والارتجال الذي أتعبنا، فان مقاربة موضوع الفساد يجب ان تتغير، لان المصلح الحقيقي لا يمتطي صهوة مكافحة الفساد في سباق انتخابي أو سياسي بل يفعل ذلك كواجب ديني ووطني وانساني. لم نجد احدا عمل بصمت على ملفات الفساد وجهز بدقة وبسرية كل الادلة واستكمل المستلزمات الضرورية من خلال فريق قانوني استشاري اعلامي فني وتقدم بها الى النيابة العامة. الموضوع ليس جسرا للعبور الى منصب بل هو نهج لتنظيف المنصب، والموضوع ليس خطابا سياسيا في مهرجان شعبي يعشق منظموه تحويله الى نصف ثورة، لان الثورة الحقيقية التي نريدها هي الثورة الادارية المنبثقة فعلا من تغيير الذهنيات السياسية في مقاربة موضوع في غاية الخطورة مثل موضوع الفساد.

نصل الى موضوع القضاء. يقينا ويقينا ويقينا نقول ان ابن آدم خطاء، وان القاضي أو المحقق أو وكيل النيابة والعاملين في المحاكم يمكن ان يخطئوا في موضوع ما. لكن السلطة القضائية في كل العالم هي السلطة الاقوى والمحصنة بجملة قوانين تعصمها ما امكن عن الانحراف وتعيدها دائما الى ميزان العدل. نفهم ان معارضا يريد تقويض السلطة التنفيذية لانه يعتبرها خصما، ويريد تقويض السلطة التشريعية لانه يريد تغييرها، لكننا لا نفهم ان يطلق النار على السلطة القضائية لانه لا يجد في القوانين والدستور ما يمكنه من تقويض السلطتين من خلال المؤسسات.

ولنكن اكثر صراحة فنقول ان الجسم القضائي يواجه «ارهابا حقيقيا» قد يربك عمله، فالقضاء نزيه وعادل ومشرف اذا حكم في بعض القضايا لمصلحتنا وهو مسيس وغير عادل اذا حكم في بعض القضايا ضدنا؟ هذا كلام خطير لا تسمح به حتى اكثر الانظمة تقدما وديموقراطية في العالم.

القاضي غير مقدس لكن القضاء مقدس، والنائب العام انسان في البداية والنهاية لكن النيابة العامة أساس. واذا كان ملف الفساد هو السلاح الذي يستخدم اليوم في ضرب القضاء فان من يستخدمه أو من «يستخدم من يستخدمه» انما يهدم بيده الاساس الذي يحمي السلطات كلها ويطلق النار على الأمة التي هي مصدر السلطات.

مرة اخرى، ابعدوا القضاء عن الصراع السياسي فهو حكم وليس طرفا، وهو اول مكان يجب ان تتوجه اليه ملفات الفساد بأدلتها ومستنداتها ووثائقها، وآخر مكان يجب ان تتوجه اليه ملفات... «تصفية الحسابات السياسية».

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي