الرأي اليوم / وثيقة أبناء الأسرة ... مبادئ أم مصالح؟


... ومن مشروع المعارضة «الإصلاحي» الذي تحدثنا عنه في المقال السابق إلى مشروع «إصلاحي» آخر عمره 22 عاما. نعود إليه بطريقة «الفلاش باك».
في 13/ 7/ 1992، وكان الغزو والتحرير هما الحدان اللذان يتحرك داخلهما الكويتيون، أصدر عدد من شباب الأسرة وثيقة استلهمت دروس الغزو وحددت متطلبات البناء ما بعد التحرير وتوقفت - وإن باختصار - عند الكثير من الاصلاحات المطلوب أن تحصل داخل أسرة الحكم كمنطلق لإصلاحات وطنية أعم وأشمل.
يومها دارت أقاويل كثيرة عن الوثيقة وأهدافها. بعضهم اعتبرها «رسالة»، وبعضهم اعتبرها «وظيفة» وبعضهم شكك في نيات من صعد إلى مركبها في اللحظات الأخيرة، وبعضهم أكد أن عدداً من الموقعين عليها هم مخلصون وصادقو النية وراغبون حقيقيون في الإصلاح، وبعضهم رأى أن عدداً ممن وقع عليها لا علاقة له بالإصلاح بل... بالمصلحة.
هذا كله تاريخ ولا علاقة لنا بالنيات. مشروع المعارضة الاصلاحي الذي أعلن بالأمس أعاد فتح الذاكرة على المشاريع الأخرى التي أعلنت وربما كان اهمها وثيقة أبناء الأسرة.
«أصبحت الكويت في الثلث الأخير من القرن العشرين أغنى دولة في العالم، وعنصراً اساسياً في نموه وازدهار اقتصاده، ناهيك عن النمو الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وتكوين احتياطيات الأجيال وشروق دولة المؤسسات والقانون. لكن هذا الازدهار لم يستمر كثيراً وسرعان ما بدأ العد التنازلي (...) واستمر التدهور حتى جاءت فاجعة الثاني من أغسطس»... مقتبس حرفي من الأساس الذي يفترض أنه رفع أهداف الوثيقة، تبعه الأمل بالعودة إلى تلك الدولة «لكننا وبكل أسف لا نرى مجالاً لهذه الآمال ضمن الطريق الذي يسير فيه نمط التفرد بالسلطة وتحميلنا كأبناء النظام تبعية ذلك».
تبخرت إذاً الآمال بعودة «كويت الثلث الأخير من القرن العشرين» نتيجة جملة عوامل اهمها ربما نمط التفرد بالسلطة، وغياب الرأي الآخر وانعدام التشاور داخل الأسرة، وضياع رؤية الحكم بعد محنة الغزو، وتحميل الحكومة النظام كل أخطائها بدل أن تكون «هي الدرع التي تقيه».
جميل جداً، كيف يكون الإصلاح؟ الإجابة تمثلت في أن هذه «الشريحة من أبناء النظام» اتفقت على جملة من المبادئ تبدأ بنبذ التمييز الطائفي والعائلي والمذهبي وتعتمد المساواة بين المواطنين وترفض التصنيف الفئوي للمجتمع والتصنيفات داخله، وتطالب بالتمسك بالدستور كعقد يجسد الشرعية والعدالة، و«التواؤم والتلاؤم مع مسألة الحرية والديموقراطية بعقل أكثر انفتاحا وبمنهج اكثر انضباطا وحيادية» وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم عبر تشجيع مبدأ الانتخاب وتعميمه.
بعد ذلك، تركز المبادئ على «البيت الداخلي» للسلطة، أي على ابناء الأسرة ومسؤولياتهم المقبلة. فالتطور الديموقراطي والحقوق الدستورية والاتجاهات العالمية في هذا الاطار تتطلب «وعيا كاملاً لابناء النظام - بالدرجة الأولى وكافة الشعب بالدستور والقوانين المتعلقة بالحريات والحقوق والواجبات»، اضافة إلى ضرورة تغيير فكرة التعامل مع الدولة «فهي دولة مؤسسات يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغير الافراد»، وان القانون يجب ان يطبق على الجميع «ونحن (أي أبناء الأسرة) مطالبون أكثر من غيرنا بالتمسك فيه»، ويرفض الموقعون على الوثيقة التلاعب بالمال العام «وما تتعرض له احتياطياتنا من هدر ونزف (...) فالحفاظ على المال العام جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه».
في البندين الاخيرين من الوثيقة أمور خاصة بالأسرة من قبيل فتح ابواب التشاور وإنشاء صندوق مالي، لكن البند العاشر يستحق ان ينقل حرفيا: «ابعاد الحكم عن أي نزاعات أو صراعات سياسية أو انتخابية أو عائلية، بل العمل على نبذ الصراعات التي ترتقي إلى البعد العائلي أو الطائفي أو القبلي، والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية نائيا بالحكم عن أي شائبة، كما أننا لا نرى مبرراً لذلك ولم يكن الحكم مستهدفاً من أحد قط».
من كان يشتكي من غياب التشاور وسماع الآراء داخل الأسرة، كان أكثر من رفض التشاور وصم أذنيه عن سماع الرأي الآخر عندما تسلم مسؤوليات في السلطة. من عزف الموسيقى النابذة للتمييز الطائفي والعائلي والمذهبي كان أكثر من استغل هذه التمايزات في خدمة مشروعه الخاص ولو على حساب الوحدة الوطنية. ومن أصر على أن الكويت «دولة مؤسسات يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغير الأفراد»، وان أبناء الأسرة مطالبون أكثر من غيرهم بالتمسك بالقانون كان أكثر الأفراد اختراقاً للمؤسسات وخرقاً للقانون في كل المناصب التي تنقل فيها. أما الحفاظ على المال العام كجزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه، فعلى متابعي تحركات بعض الشيوخ «المستعجلين» أن يفهموا اليوم أن من وظف المال العام لخدمة مشروعه في الحكم إنما كان يضرب الحكم نفسه وأن من استفاد من المال العام لدى توليه منصباً وزاريا إنما أضر بالحكم نفسه.
نعود إلى البند العاشر وما أدراك ما البند العاشر، أي إبعاد الحكم عن الصراعات السياسية أو الانتخابية أو العائلية، والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية نائيا بالحكم عن أي شائبة. وكم من الجرائم ارتكبت باسمك يا هذا البند. فعلا، نأى بعض الشيوخ بانفسهم عن الصراعات السياسية ولم يحاربوا بعضهم بعضا بالوكالة النيابية والواسطة الشعبية. لم يشتروا وسائل إعلام وذمم إعلاميين وسياسيين لدعم هذا الفصيل المعارض أو ذاك، لم يقفوا شهوداً مصفقين مع الحشود الضاربة بالنظام... الطاعنة بأركانه. لم يتدخلوا في أي ساحة انتخابية من الجمعيات وحتى البرلمان. لم يدعموا نائباً أو كتلة نيابية، ولم يتبجحوا علناً في أنهم حركوا شارعاً أو كفوا قضية أو فبركوها.
غالبية من وقعوا على الوثيقة - المشروع، تولوا لاحقا مسؤوليات أساسية ومهمة في السلطة على أساس أنهم إصلاحيون. قلة منهم التزمت بما وقعت عليها وما زالت ملتزمة حتى الآن، والشريحة الأكبر من الموقعين - من دون ذكر أسماء- خالفت تماما كل ما وقعت عليه وأظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن المشروع شيء وأصحابه شيء آخر.
ومن دون بخس الجهود الشبابية الصادقة، يتضح أن غالبية المشاريع الإصلاحية، للأسف الشديد إنما هي أهداف مرحلية أو جسور مصلحية ليعبر عليها البعض من واقع إلى آخر. ليس مهما أن يموت المشروع بل أن «يعيش» الموقعون عليه في مناصبهم وأحلامهم و... مشاريعهم.
كلمة أخيرة، هدفت الوثيقة إلى إعادة الكويت كما كانت في «الثلث الأخير من القرن العشرين». من يراقب مسيرة غالبية من وقع عليها عندما تسلموا مناصبهم يدرك أنهم قادرون على إعادة الكويت فعلا إلى الثلث الأخير من القرن... الثامن عشر.
جاسم بودي
في 13/ 7/ 1992، وكان الغزو والتحرير هما الحدان اللذان يتحرك داخلهما الكويتيون، أصدر عدد من شباب الأسرة وثيقة استلهمت دروس الغزو وحددت متطلبات البناء ما بعد التحرير وتوقفت - وإن باختصار - عند الكثير من الاصلاحات المطلوب أن تحصل داخل أسرة الحكم كمنطلق لإصلاحات وطنية أعم وأشمل.
يومها دارت أقاويل كثيرة عن الوثيقة وأهدافها. بعضهم اعتبرها «رسالة»، وبعضهم اعتبرها «وظيفة» وبعضهم شكك في نيات من صعد إلى مركبها في اللحظات الأخيرة، وبعضهم أكد أن عدداً من الموقعين عليها هم مخلصون وصادقو النية وراغبون حقيقيون في الإصلاح، وبعضهم رأى أن عدداً ممن وقع عليها لا علاقة له بالإصلاح بل... بالمصلحة.
هذا كله تاريخ ولا علاقة لنا بالنيات. مشروع المعارضة الاصلاحي الذي أعلن بالأمس أعاد فتح الذاكرة على المشاريع الأخرى التي أعلنت وربما كان اهمها وثيقة أبناء الأسرة.
«أصبحت الكويت في الثلث الأخير من القرن العشرين أغنى دولة في العالم، وعنصراً اساسياً في نموه وازدهار اقتصاده، ناهيك عن النمو الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وتكوين احتياطيات الأجيال وشروق دولة المؤسسات والقانون. لكن هذا الازدهار لم يستمر كثيراً وسرعان ما بدأ العد التنازلي (...) واستمر التدهور حتى جاءت فاجعة الثاني من أغسطس»... مقتبس حرفي من الأساس الذي يفترض أنه رفع أهداف الوثيقة، تبعه الأمل بالعودة إلى تلك الدولة «لكننا وبكل أسف لا نرى مجالاً لهذه الآمال ضمن الطريق الذي يسير فيه نمط التفرد بالسلطة وتحميلنا كأبناء النظام تبعية ذلك».
تبخرت إذاً الآمال بعودة «كويت الثلث الأخير من القرن العشرين» نتيجة جملة عوامل اهمها ربما نمط التفرد بالسلطة، وغياب الرأي الآخر وانعدام التشاور داخل الأسرة، وضياع رؤية الحكم بعد محنة الغزو، وتحميل الحكومة النظام كل أخطائها بدل أن تكون «هي الدرع التي تقيه».
جميل جداً، كيف يكون الإصلاح؟ الإجابة تمثلت في أن هذه «الشريحة من أبناء النظام» اتفقت على جملة من المبادئ تبدأ بنبذ التمييز الطائفي والعائلي والمذهبي وتعتمد المساواة بين المواطنين وترفض التصنيف الفئوي للمجتمع والتصنيفات داخله، وتطالب بالتمسك بالدستور كعقد يجسد الشرعية والعدالة، و«التواؤم والتلاؤم مع مسألة الحرية والديموقراطية بعقل أكثر انفتاحا وبمنهج اكثر انضباطا وحيادية» وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم عبر تشجيع مبدأ الانتخاب وتعميمه.
بعد ذلك، تركز المبادئ على «البيت الداخلي» للسلطة، أي على ابناء الأسرة ومسؤولياتهم المقبلة. فالتطور الديموقراطي والحقوق الدستورية والاتجاهات العالمية في هذا الاطار تتطلب «وعيا كاملاً لابناء النظام - بالدرجة الأولى وكافة الشعب بالدستور والقوانين المتعلقة بالحريات والحقوق والواجبات»، اضافة إلى ضرورة تغيير فكرة التعامل مع الدولة «فهي دولة مؤسسات يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغير الافراد»، وان القانون يجب ان يطبق على الجميع «ونحن (أي أبناء الأسرة) مطالبون أكثر من غيرنا بالتمسك فيه»، ويرفض الموقعون على الوثيقة التلاعب بالمال العام «وما تتعرض له احتياطياتنا من هدر ونزف (...) فالحفاظ على المال العام جزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه».
في البندين الاخيرين من الوثيقة أمور خاصة بالأسرة من قبيل فتح ابواب التشاور وإنشاء صندوق مالي، لكن البند العاشر يستحق ان ينقل حرفيا: «ابعاد الحكم عن أي نزاعات أو صراعات سياسية أو انتخابية أو عائلية، بل العمل على نبذ الصراعات التي ترتقي إلى البعد العائلي أو الطائفي أو القبلي، والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية نائيا بالحكم عن أي شائبة، كما أننا لا نرى مبرراً لذلك ولم يكن الحكم مستهدفاً من أحد قط».
من كان يشتكي من غياب التشاور وسماع الآراء داخل الأسرة، كان أكثر من رفض التشاور وصم أذنيه عن سماع الرأي الآخر عندما تسلم مسؤوليات في السلطة. من عزف الموسيقى النابذة للتمييز الطائفي والعائلي والمذهبي كان أكثر من استغل هذه التمايزات في خدمة مشروعه الخاص ولو على حساب الوحدة الوطنية. ومن أصر على أن الكويت «دولة مؤسسات يحكمها نظام وبناء مؤسسي لا يتغير بتغير الأفراد»، وان أبناء الأسرة مطالبون أكثر من غيرهم بالتمسك بالقانون كان أكثر الأفراد اختراقاً للمؤسسات وخرقاً للقانون في كل المناصب التي تنقل فيها. أما الحفاظ على المال العام كجزء لا يتجزأ من الحفاظ على الحكم نفسه، فعلى متابعي تحركات بعض الشيوخ «المستعجلين» أن يفهموا اليوم أن من وظف المال العام لخدمة مشروعه في الحكم إنما كان يضرب الحكم نفسه وأن من استفاد من المال العام لدى توليه منصباً وزاريا إنما أضر بالحكم نفسه.
نعود إلى البند العاشر وما أدراك ما البند العاشر، أي إبعاد الحكم عن الصراعات السياسية أو الانتخابية أو العائلية، والابتعاد الكامل عن أي ساحة انتخابية نائيا بالحكم عن أي شائبة. وكم من الجرائم ارتكبت باسمك يا هذا البند. فعلا، نأى بعض الشيوخ بانفسهم عن الصراعات السياسية ولم يحاربوا بعضهم بعضا بالوكالة النيابية والواسطة الشعبية. لم يشتروا وسائل إعلام وذمم إعلاميين وسياسيين لدعم هذا الفصيل المعارض أو ذاك، لم يقفوا شهوداً مصفقين مع الحشود الضاربة بالنظام... الطاعنة بأركانه. لم يتدخلوا في أي ساحة انتخابية من الجمعيات وحتى البرلمان. لم يدعموا نائباً أو كتلة نيابية، ولم يتبجحوا علناً في أنهم حركوا شارعاً أو كفوا قضية أو فبركوها.
غالبية من وقعوا على الوثيقة - المشروع، تولوا لاحقا مسؤوليات أساسية ومهمة في السلطة على أساس أنهم إصلاحيون. قلة منهم التزمت بما وقعت عليها وما زالت ملتزمة حتى الآن، والشريحة الأكبر من الموقعين - من دون ذكر أسماء- خالفت تماما كل ما وقعت عليه وأظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن المشروع شيء وأصحابه شيء آخر.
ومن دون بخس الجهود الشبابية الصادقة، يتضح أن غالبية المشاريع الإصلاحية، للأسف الشديد إنما هي أهداف مرحلية أو جسور مصلحية ليعبر عليها البعض من واقع إلى آخر. ليس مهما أن يموت المشروع بل أن «يعيش» الموقعون عليه في مناصبهم وأحلامهم و... مشاريعهم.
كلمة أخيرة، هدفت الوثيقة إلى إعادة الكويت كما كانت في «الثلث الأخير من القرن العشرين». من يراقب مسيرة غالبية من وقع عليها عندما تسلموا مناصبهم يدرك أنهم قادرون على إعادة الكويت فعلا إلى الثلث الأخير من القرن... الثامن عشر.
جاسم بودي