الرأي اليوم / لا تضيعوا مشروع الإصلاح في دهاليز الشوارع

تصغير
تكبير
ربما كان إعلان بعض التيارات المعارضة مشروعا للإصلاح السياسي من أكثر الأمور الايجابية وسط سلسلة من المؤشرات السلبية التي حكمت الحياة السياسية الكويتية، فالمطلوب لاثراء الديموقراطية برامج للنقاش لا للمواجهة والصدام، والمطلوب أكثر تأمين مناخات تمكن من بحث هذه البرامج في أجواء مستقرة بدل المناخات السابقة التي اضرت بالسلطة والمعارضة والديموقراطية والحريات.

المشروع بحد ذاته، سواء أعجبنا أم لم يعجبنا، نتيجة جهد طويل وهو خلاصة أفكار الشخصيات والتيارات التي شاركت في إعداده ووقعت عليه. بعضهم عن قناعة بمضمونه، وبعضهم الآخر وجد انه يتفق مع بعض قناعاته، وآخرون وجدوا فيه طريقا لتحقيق أهداف سياسية وان لم ترد فيه قناعاتهم، وفريق اعتبره مخرجا من حال الجمود التي انتابت المعارضة في الفترة الأخيرة وجسرا للعبور إلى الواجهة مجددا... تعددت الغايات والتوقيع واحد.


جميع الغيورين على الاستقرار في الكويت وتطوير الحياة السياسية كانوا يتمنون ان يكون للمعارضة برنامج إصلاحي لأن تنافس المشاريع أفضل من سجال الشارع، ولأن تحديد المبادئ والاهداف يقود التحرك بعكس ردود الفعل التي تشوش على المبادئ وتضيع الأهداف. بل يمكن ان نقول إن خصوم المعارضة الكويتية لم يكونوا يريدون لها ان تمتلك مشروعا وان تبقى اسيرة الشعارات العامة في الساحات والطرق، وليس سرا ان الشعارات فرقت لاحقا ولم تجمع، وان ما يبنى على شعار قد تهدمه كلمة.

ما فات فات ونحن الآن امام مشروع إصلاحي للمعارضة. نتوقف معه ومعها أمام جملة من الملاحظات السريعة:

أولا، لوحظ ان تيار الشباب الذي كان الوقود الحقيقي لساحات التحرك لم يكن مشاركا بشكل قوي وواضح في المؤتمر الصحافي الذي اعلن فيه المشروع الاصلاحي، واتمنى ان تكون مشاركتهم في التنفيذ قوية كما في السابق. وهنا قد يفيد ربما ان تتوقف المعارضة جديا امام ظاهرة انسحاب اعداد من الشباب من فاعلياتها، وتعيد وصل ما انقطع مع هذه الفئة التي سيكون ابناؤها قادة المستقبل.

ثانيا، لوحظ ان المشروع اتسع بشكل «ارضائي» لكل الفئات بحيث ادخل عبارة تجميعية لكل تيار سياسي وكأن المطلوب الاتفاق على التوقيع والاختلاف على التنفيذ، فان تكون الكويت دولة تسودها قيم المجتمع المدني مثلا شيء وان تكون جرعة الدين في التشريعات كبيرة شيء آخر.

ثالثا، لوحظ تحفظ قوى أساسية في المعارضة الكويتية علنا على المشروع في موازاة تحفظات أخرى من قوى أخرى انما غير علنية، واوضح الطرف المتحفظ (وهو طرف يحظى باحترام فئة كبيرة من الكويتيين لا المعارضة فحسب) انه لم يشارك فعليا في الصياغة وهناك امور عرضت عليه فقط للتوقيع.

رابعا، لوحظ ان قوى اساسية في المعارضة اعتبرت المشروع نهاية مرحلة وليس بداية مرحلة، وهذا الامر خطر جدا عليها وعلى المشروع. ففي كل المجتمعات المتحضرة يكون المشروع بداية للحشد والاستقطاب وساحة حوار مع مختلف فئات المجتمع للانطلاق من خلاله إلى مرحلة اخرى، إلا اننا هنا في مواجهة مشروع تم بحثه بين اهل بيته فقط واعتبره هؤلاء خشبة خلاص لجميع الكويتيين، بل ذهبوا إلى حد التهديد بالشارع لفرضه وتحقيق اجماع عليه. وهذا في رأيي نهج يجب ان يتغير فورا كي لا يكون المسمار الاول في نعش المشروع الإصلاحي.

خامسا، لوحظ ان اعلان المشروع لم يتضمن اطلاق ورشة وطنية لتسويقه مع مختلف فئات المجتمع الكويتي، فالموقعون عليه يعرفون تماما انهم لا يمثلون الجميع، وان مظلة الاجماع كلما تمددت كانت عوامل النجاح اكبر. فما يطرح هنا ليس وجهة نظر تقابلها وجهة نظر اخرى بل هو موضوع سيحدث تغييرا جذريا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وجميع الكويتيين سيتأثرون به. لذلك لا بد للمعارضة من أن تبدأ بتوفير الأرضية اللازمة للتسويق لمشروعها من خلال حوار واسع ومستمر مع السياسيين والاكاديميين والقانونيين والاقتصاديين والشباب والطلاب ومختلف الرموز التي تشكل مكونات المجتمع الكويتي، وليكن شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الحوار» ، لاننا في بلد صغير له طابعه الخاص وقيمه ويعرف ابناؤه بعضهم بعضا ولا داعي لأي تحرك يخترق هذا الطابع ويتجاوز تلك القيم. واذا كانت المعارضة واجهت وستواجه معارضات من داخلها للمشروع الذي قدمته فعليها الا تعتبر نفسها ممثلة «شرعية وحيدة للشعب الكويتي» من جهة، وإلا تعتبر ان غالبية الشعب الكويتي موافقة على مشروعها من جهة اخرى.

سادسا، وهو الاهم. ذكرت المعارضة في مشروعها حرفيا العبارة التالية: «ان تحقيق الاصلاح السياسي الوطني عبر القنوات والمؤسسات الدستورية التي تتيح للشعب حق التغيير السلمي عبر الآلية الديموقراطية»... وهنا علينا أيضا التوقف مليا.

المشروع يقترح تعديلات دستورية بالجملة من طرف رفع دائما شعار «الا الدستور». والتعديلات المطروحة بغض النظر عن التوافق او التعارض معها يجب ان تكون من خلال الاطر الدستورية، والدستور في هذا المجال واضح وضوح الشمس، فلا تعديل من اجل المزيد من المكتسبات الا بتوافق سمو الامير وثلثي اعضاء مجلس الامة، اي رأس السلطات كلها مع غالبية ممثلي الشعب المنتخبين. اليوم هناك مجلس منتخب بشرعية دستورية محصنة قضائيا، وهناك مؤسسات تعمل في الدولة على مختلف الاصعدة، وهناك آليات معروفة لبحث اوجه التعديل الدستوري، فهل ستطرح المعارضة مشروعها من خلال المؤسسات القائمة؟ هل سيتقدم بعض نواب المجلس الحالي بطلب بحث التعديلات عبر الآلية الدستورية؟ هل ستنتظر المعارضة الانتخابات المقبلة لتخوضها في كل الدوائر وفق المشروع الحالي الذي قدمته ثم تطرح التعديلات من خلال المؤسسات؟

كل الاسئلة التي سبقت اجاباتها شرعية ودستورية وقانونية وديموقراطية. اما إذا كانت هناك اجابات اخرى من قبيل المواجهات في الشارع فهذه قرارات قد تكون «مشروعة» من وجهة نظر اصحابها لكنها غير «شرعية» وفق الدستور والقانون، بل متعارضة مع ما ذكره المشروع من ان الاصلاح كي يتحقق يجب ان يكون عبر القنوات والمؤسسات الدستورية... اما عكس ذلك فنوع من انواع الانقلابات ترفضها المعارضة قبل الموالاة.

مرة اخرى، هذا المشروع كي ينجح يجب ان يكون مشروعا وطنيا جامعا لا مشروع مجموعة معارضة، والحوار سيد الاحكام في العبور إلى الرحاب الوطني، اما التهديد باللجوء إلى قوة الشارع لتحقيق المشروع قبل ان يقرأه الناس حتى ويبدوا رأيهم فيه، فهو تشريع غير مشروع يفقد «المشروع» قوته.


جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي