الرأي اليوم / أرفض الاتفاقية الأمنية

تصغير
تكبير
قبل نحو شهرين، كتبت أن الحكومة هي الغائب الأكبر عن الاتفاقية الأمنية الخليجية. انتظرت وانتظر كثيرون ان تخرج علينا الحكومة بتفنيد مفصل قوي يتضمن شرحاً كافياً وافياً لبنود الاتفاقية لكن الاكتفاء بعبارة «الاتفاقية لا تتعارض مع الدستور» بقي سيد الموقف... لا شيء تغير. لا كلمة. لا حرف.

بادئ ذي بدء، لا يزايدن أحد علينا في الحرص على أمن منطقة الخليج واستقرارها، فنحن في قارب واحد ولن ينجو أحد من الغرق حتى لو اعتقد انه «يحفر» لأخيه وليس لنفسه. ولا يمكن أن ننسى موقف دول الخليج التي حشدت كل امكاناتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية لمساعدة الكويت عندما أراد ديكتاتور شطبها من الخريطة، ويستحيل تالياً أن ننكر الجميل أو ندير ظهورنا لأشقائنا عندما يتعلق الأمر تحديداً بالأمن... إنما في موضوع الاتفاقية الأمنية لي رأي وأتمنى أن يفهم في إطاره الصحيح.


لست مستشاراً قانونياً أو خبيراً في المعاهدات والاتفاقات الإقليمية والدولية، ولست باحثاً حقوقياً. وفي الوقت نفسه لست موالياً للحكومة أو معارضاً لها، أي انني لا أنطلق من خلفية سياسية معينة. ببساطة سأتحدث كمواطن كويتي يرى أن الاتفاقية تتعارض مع الدستور الكويتي رغم نفي الحكومة المتكرر، وأنها تتعارض مع الاتفاقيات والمعاهدات العربية والدولية المبرمة مع الكويت، وأنها أعدت بناء على أجندة مرحلية تتعلق بالحياة السياسية الداخلية للدول أكثر من هدف مواجهة الأخطار الخارجية، وأنها تضمنت كمية من الغموض والعبارات المطاطة القابلة للتفسير والتأويل بحيث يمكن لأي طرف تطبيقها حسب وجهة نظره، وأنها يمكن أن تنتقص من الحريات العامة.

الاتفاقية الأمنية أشبه ببيان لغته عمرها نصف قرن يتحدث عن قضايا الغد. وإذا راجعنا الاتفاقيات المعقودة بين دول أوروبية أو بين أميركا وكندا مثلا، نجد الدقة الشديدة في التحديد والتوصيف وإدراج تفاصيل التفاصيل كي لا تترك أي مثالب أو تأويلات، اضافة بالطبع إلى الالتزام الكامل في عدم التعارض مع الدساتير من جهة والاتفاقات والمعاهدات الدولية من جهة أخرى، خصوصاً تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وجواز عدم تسليم الأشخاص أو المتهمين أو المشتبه فيهم أو اللاجئين السياسيين، ناهيك بالطبع عن الرقابة والملاحقة والدخول إلى البيانات الشخصية وانتهاك الخصوصيات.

وبكل محبة، ومن دون الانتقاص من تجارب الآخرين التي قد تكون مفيدة لهم ومنسجمة مع خصوصياتهم، أقول إنه يستحيل أن نطبق اتفاقية أمنية بين دول علاقاتها غير مستقرة سياسياً، ويستحيل أن تستقر العلاقات السياسية في غياب التكامل الاقتصادي، ويستحيل أن يتحقق التكامل الاقتصادي في غياب المشاركة الشعبية في القرار، ويستحيل أن تتحقق المشاركة الشعبية في القرار من دون تغييرات جذرية في الأنظمة والقوانين تتعلق تحديداً بالديموقراطية والحريات والتوجه من دول السلطات الفردية إلى دول المؤسسات... ولا حاجة بنا لتكرار كيف ولد الاتحاد الأوروبي وكيف حصنه برلمانه من التهاوي.

نفسر قليلا... «الخارج على القانون» في الكويت هو غيره «الخارج على القانون» في دول أخرى، فقد تكون قيادة المرأة للسيارة ضد القانون (وهنا أكرر للمرة المليون إنني أتحدث من باب التوصيف لا من باب الانتقاد) والكتابة في الصحف للمطالبة بتغيير حكومي ضد القانون، واستقبال إسرائيليين مع القانون، وحصول انتخابات نيابية ضد القانون، وإنشاء أحزاب أو جمعيات أو تيارات ضد القانون. مصطلح «الاضطرابات الأمنية» قد يعني مواجهة تدخل عسكري أو أمني تقوم به دولة اخرى، لكنه قد يعني في نظر البعض أيضاً تظاهرات وندوات عامة ومسيرات سلمية. الاطلاع على بيانات المواطنين من قبل أطراف خارجية قد يعتبر جريمة قانونية عند البعض لكنه يعتبر من أوجه التعاون عند البعض الآخر. والأمر نفسه ينطبق على الملاحقات البرية والبحرية والتسليم والتحقيق وتبادل المتهمين وما إذا كان من متطلبات السيادة او من انتهاكاتها.

الأمثلة تطول لكننا نعود إلى المقدمة التي بنت عليها حكومة الكويت عبارتها الشهيرة: «الاتفاقية لا تتعارض مع الدستور»، أي تطبيق الاتفاقية وفق التشريعات الوطنية لكل دولة، وهنا معضلة المعضلات. من يفسر هذه النقطة؟ من يحدد التعارض؟ مؤسساتنا التشريعية والقضائية والتنفيذية لا أقول إنها أفضل، بل أقول إنها مختلفة عن نظيراتها في دول الخليج. هل ستكون هناك هيئة تشريعية عليا في مجلس التعاون تحدد أم يترك الأمر لكل دولة أو لاتفاق بين دولتين؟

صدقوني، الاتفاقية الأمنية وغيرها من الاتفاقيات تفاصيل قد تغرق سفينة مجلس التعاون، لأن التطور الذي ننشده هو تطور على مستوى المؤسسات والأنظمة في اتجاه المزيد من الحريات والديموقراطية... هذا ما ينص عليه دستورنا، وعندما تتقارب الأنظمة والقوانين بما يسمح بالمزيد من المشاركة الشعبية في السلطة والثروة، وبما يضمن قيام مؤسسات حاضنة لمسيرة مجلس التعاون وضامنة لاتحاده لاحقا، يمكن طرح الاتفاقات الواضحة والمفهومة المتعلقة بالاستقرار والمستقبل لا بالأجندات الراهنة والظرفية.

نتمنى ذلك، انما مع الأسف الشديد، عندما نسمع دعوات توسيع مجلس التعاون على أسس مذهبية غربا أو محورية إقليمية مذهبية شمالاً وشرقاً، ننسى المستقبل ونعود إلى كهوف الماضي.

كل اتفاقية وأنتم بخير.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي