الرأي اليوم / «ربعنا» وأردوغان... ازدواجية المعايير

تصغير
تكبير
مبروك فوز حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان في الانتخابات المحلية التركية، فمن يقول إنه ديموقراطي لابد أن يقبل اللعبة الديموقراطية ويرتضي نتائجها، ولا شك في أن الرجل عمل جاهداً على محورين: عام وخاص، الأول التركيز على التنمية في بلاده ضمن خطة واضحة ومعروفة لم يحد عنها تقتضي تثبيت تقدم المدن وتطوير الأرياف وتحسين مستوى الخدمات ورفع المداخيل في الوقت نفسه. والثاني هو ايلاء الاهتمام الكامل أيضا لتقوية قدرات حزبه وتوسيعه إلى مناطق لم يكن له فيها حضور واستقطاب كوادر جديدة.

وبين المحورين، تعرض أردوغان أيضا إلى حملة قاسية شنها خصومه عليه وضعته في منطقة الفساد وطالت أهله والمقربين منه، وبما أن حملات العالم الثالث عشوائية وشخصانية في معظمها ولا تستند إلى أدلة ومعطيات واضحة كما هو الحال في دول العالم المتقدم، فإن طريقة الهجوم الشخصي على أردوغان أكسبته أيضا تعاطف الناخبين... بغض النظر عن حسم القضاء التركي لاحقا في صحة التهم أو في رفضها.


لكن موضوعنا ليس في تركيا بل في الكويت، وتحديداً في مقاربة المعارضة الكويتية لقضية أردوغان.

ليس سرا أن الطرف الرئيسي المتعاطف مع أردوغان هو «الإخوان المسلمين»، وهم لا يدعون عكس ذلك، إضافة إلى عدد من نواب الغالبية السابقة وعلى رأسهم أحمد السعدون. هؤلاء تحديدا أضافوا الى حيرة الناس بهم حيرة جديدة من خلال كيلهم بمكيالين وأكثر، ومن خلال تفوقهم على الولايات المتحدة في اعتماد معايير مزدوجة.

عندما تم توقيف الإنترنت من قبل السلطات المصرية أول أيام الاحتجاجات ضد الرئيس السابق حسني مبارك، كان هؤلاء في مقدم الصفوف المطالبة بإعادة الإنترنت فورا و«الانتصار للحريات والسماح بحق الناس في التظاهر احتجاجا على السلطة». أما في الموضوع التركي فلم نسمع من أحدهم كلمة واحدة احتجاجا على منع حكومة أردوغان «تويتر» و«يوتيوب» أو محاولاتها منع «غوغل» أيضا. لم يقل هؤلاء إن الحريات انتهكت وإن القمع يتمدد وإن ضرب المتظاهرين واعتقالهم بل ووفاة بعضهم خلال المواجهات مع الشرطة التركية هو بداية «انقلاب سلطوي ضد النظام الدستوري» يقوده «حكم فردي قمعي»، كما جاء حرفيا في بيانات المعارضة الكويتية عن السلطة في الكويت إثر المواجهات المؤسفة التي حصلت خلال التظاهرات السابقة، ولم تطالب المعارضة السلطة التركية «بسرعة الإفراج عن المعتقلين من الشباب والنواب والأحرار المخلصين» كما جاء حرفيا أيضا في البيانات المتعلقة بالكويت.

عندما يتم التعامل قضائيا وقانونيا في الكويت مع قضايا مخالفة لقانون النشر والمطبوعات في ما يتعلق بـ«تويتر» خصوصا لجهة الإساءات الشخصية والاتهامات بلا سند والخلط بين حرية الرأي والتعبير وبين انتهاك القانون، نسمع من هؤلاء كلاماً يشعرنا أننا في دولة بوليسية يقودها زوار الفجر، وعندما تعترض منظمات حقوق الإنسان الدولية على منع السلطات التركية وسائل التواصل الاجتماعي وتعتبره انتهاكا لحرية الرأي والتعبير تكتفي المعارضة الكويتية بالصمت بل يذهب بعضها الى القول إن «القيادة تقتضي الحزم»، ويسترسل كثيرون من رموز المعارضة في الدواوين والمجالس الخاصة في القول إن هناك من استخدم «تويتر» للإساءات الشخصية ضد رئيس الوزراء وان من حق دولة كتركيا عندما تطلب من الشركة تزويدها ببيانات المغردين بأسماء وهمية أن تحصل عليها... يا سبحان مبدل الأحوال.

نصل إلى مرحلة ما بعد فوز أردوغان، الرجل قال في تصريحه الأول إن معارضيه «سيدفعون الثمن» ووصفهم بـ«الخونة». هناك سلطة تتوعد معارضيها بدفع الثمن لأنهم عارضوا وتستبيح كيانهم القانوني والانساني بإطلاق صفة الخيانة عليهم. الأكيد أن الكويتيين توقعوا من المعارضة هنا ألا توافق على هذا الكلام في أضعف الإيمان، لأنها لا تريد من السلطة في نظام ديموقراطي دستوري إلا أن تتعامل معها كشريك سياسي حتى ولو كانت خارج مقاعد المؤسسات، والأكيد أكثر أنها ستهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور وتنزل إلى الشارع مجدداً إن اتهمتها حكومة الكويت بـ«الخيانة» فهذه التهمة لا يمكن السكوت عنها لأنها تخرج الإنسان من وطنيته وإيمانه ودينه. لكن المفترض شيء وما حصل شيء آخر، إذ أشاد «الإخوان» بما حصل واعتبروا ما فعله أردوغان «درسا من فنون القيادة»، وذهب أحمد السعدون الى القول إن فوز أردوغان «صفعة قوية وجهها الشعب التركي للدولارات النفطية ولقوى الإرهاب الحقيقية». إذاً، فإن دولارات منطقة الخليج هي التي هزمت بمنطق السعدون وليس الحريات العامة، وأن انتصاراً تم ضد «قوى الإرهاب» وليس إرهابا لقوى المعارضة التي تم وصفها بالخيانة وتهديدها بدفع الثمن. وبما أن بو عبدالعزيز يعرف الدولة التي انطلقت منها الدولارات «المصفوعة»، إلا أن عدم تسمية الأشياء بأسمائها، يعطي أيضا مصداقية لمعارضي المعارضة الكويتية الذين كانوا يدعون أن دولارات نفطية كانت تأتي خلال التظاهرات لدعم أطراف بعينها وزعزعة النظام في الكويت... طبعا لا هؤلاء قدموا دليلا ولا السعدون سيقدم.

نحن إذاً، أمام المعادلة التالية التي تتبناها المعارضة الكويتية:

أي منع لوسائل التواصل الاجتماعي في الكويت ودول عربية هو انتهاك للحريات، وأي أمر مماثل في تركيا - أردوغان هو ضرورة للحفاظ على الحكم واحترام القوانين.

أي مواجهة لتظاهرة في الكويت ودول عربية يعني تكريس دولة القمع، وأي أمر مماثل في تركيا يعني درساً من فنون القيادة الحازمة.

أي إساءة أو تجريح أو اتهام شخصي لأي مسؤول في الكويت يعني ثبوتها حتى ولو كانت مجرد فبركات ولابد من إثارة عاصفة سياسية، وأي أمر مماثل في تركيا (في انتظار حكم القضاء) يعني الإساءة «لقيادة توافرت فيها الكفاءة والأمانة والإنجاز وحققت طموحات ومطالب شعبها».

أي استخفاف بالمعارضة وتهديدها بحساب عسير ووصمها بالخيانة في الكويت يعني احتلال الشوارع والمشهد السياسي وضرب الاستقرار، وأي أمر مماثل في تركيا يعني «تقديم صورة جيدة للإسلاميين».

أي إجراء قضائي في الكويت مع أي شخص يسيء الى الآخرين ويتهمهم في ذممهم وأعراضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو «إرهاب دولة»، وأي أمر مماثل في تركيا - اردوغان هو انتصار على «قوى الإرهاب الحقيقية».

ختاما، مع معارضة كهذه، نفهم لماذا تأخذ حكومتنا الرشيدة «راحتها» في الدوس على كل المعايير والأصول، ونفهم أكثر لماذا ينفض الناس عن المعارضة وينسحبون من العمل السياسي. تغيرت الدنيا ولم يعد الكويتي ينقاد بـ«الصيحة»، وهو لا يحتاج عند تذكر المواقف إلى مراجعة المحاضر والوثائق. يمكنه فقط عمل بحث في هاتفه النقال عبر «غوغل» و«تويتر» و«يوتيوب» (ونحمد الله أنها متوافرة) لمقارنة ما كان يحكى بالأمس بما يحكى اليوم... ومعرفة ما سيحكى غدا.

تصبحون على... مبادئ !


جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي