الرأي اليوم / كانوا مدرستي !

تصغير
تكبير
في خاطري خاطرة... خاطرة تحتل عقلي كلما أردت التفكير في ما آل اليه حال التعليم في الكويت.

خاطرة تتصدر الصفوف الأولى للتفكير. تغير مشهد النقاشات الحامية في مجلس الأمة عن جامعة الشدادية وأزمات القبول والامتحانات والمقاعد. تسرح بي. تمسك بيدي وتأخذني إلى صفوف الدراسة. إلى مدرستي. تعيدني الى الكرسي الذي جلست عليه صغيرا. تنقلني من صورة التعليم وقوفا في بعض الجامعات بسبب الزحمة الى صوت استاذي قبل عقود يهدر «جلوس»... وبدل أن أنتظر قرارات مجلس الوزراء حول تطوير العملية التعليمية تجعلني خاطرتي أنتظر قرارات الناظر.


ومَنْ يعرف الناظر يعرف لماذا كان التعليم «غير» والزمن «غير» والمدرسة «غير»... وهنا تعيدني الذاكرة إلى «معلمين» كبيرين ما زالا بالنسبة لي «معلمين» من معالم التاريخ التربوي في الكويت. الأول هو المرحوم الأستاذ محمد زكريا الأنصاري، والثاني أطال الله في عمره الأستاذ جمعة ياسين.

في مدرسة الغزالي الابتدائية قبل نحو نصف قرن، كنت ورفاقي نخشى أن ندخل ساحة العلم وثيابنا غير مرتبة ونظيفة ومكوية أو أحذيتنا متسخة. أما التأخر نصف دقيقة على الدوام المدرسي فمن سابع المستحيلات. يستقبلنا ناظرنا الأنصاري بابتسامته ووقاره وكأنه يحصي عددنا طالبا طالبا، يتجه إلى مكان آخر لكننا نشعر أن ابتسامته ما زالت حاضرة تراقبنا وأن وقاره يرسم لنا خط التحرك من الساحة الى الصف. وفي الصف يتناوب المعلمون على الحصص لكن «حصة» الناظر هي الغالبة، فهو في حركة مستمرة في الصفوف بين ساعة واخرى. يسأل الاستاذ ماذا أعطى ويسأل التلميذ ماذا نهل، وفي أحيان كثيرة ينتقل الرعب من قلوبنا إلى قلب الأستاذ حين يباغته الناظر ويدخل إلى صفه خلال الشرح ويجلس على كرسي قربنا كأنه طالب معنا ويطلب إلى الأستاذ أن يواصل ما بدأه.

من الصفوف الى «المسرح» يقف هناك مشرفا على الوجبات. يضع القواعد العامة لآداب الطعام ويراقبنا كيف نأكل ويراقب العمال كيف يخدمون وما إذا كانوا متقيدين بقواعد النظافة. كان رحمه الله يقترب بكل بساطة من أي طالب ليراقب مدى التزامه... والويل كل الويل لمن يتأخر أو يخالف القواعد والنظم.

كان الأنصاري يذكرنا دائما أنه أمضى حياته متخصصا في مجال التعليم. لم يكن التعليم وظيفة ولم تكن «التربية» توقيعا للانصراف والحضور أو بصمة دوام. علمه والده ثم واصل الدراسة ليلا وعاد ليعلم في مدرسة والده قبل ان يتولى مهمات كثيرة في المجال نفسه حتى تقاعد عام 1984. لم يمض يوم من عمره دون أن يفيد أو يستفيد، وأن تحصل على معلومة مهمة سارع إلى نشرها تعميما للفائدة بطريقة سلسة لا تلقين جافا فيها.

اما جمعة ياسين، اطال الله في عمره، فقد عاصرته لاحقا في ثانوية عبدالله السالم، وعلى من يريد ان يعرف لماذا تخرج الناجحون في عهده ان يدرس بدقة تجربة هذا الرجل الذي عشق التعليم رسالة لا مهنة. كيف بدأ التعلم عند الكتاب في أربعينيات القرن الماضي، وكيف أكمل لاحقا المراحل الابتدائية والثانوية، وكيف سافر إلى مصر لإكمال المرحلة الجامعية رافضا كل المغريات الوظيفية التي عرضت عليه في دوائر الدولة، وعندما عاد من مصر اختار الطريق الأصعب الذي يحبه على الطريق الأسهل الذي يريحه. عدد من زملائه صاروا مسؤولين كباراً في الوزارات أما هو فاختار أن يكون معلماً ومربياً وموجهاً ومشرفاً... انحاز لبناء صرح انساني مراهنا على ان ثروة الكويت البشرية هي الباقية وغيرها زائل.

تنقل الياسين في مدارس عدة ومناصب عدة، لكنه كان هو هو في كل مكان. هيبة الحضور، الشدة في النظام. العدل. التوجيه. الثواب والعقاب. وفي الوقت نفسه يمكن للطالب إذا احتاج صديقا أن يلجأ إليه، وإذا نشد نصيحة أن يطلبها منه. سماحة وجهه عندما يستقبلك صباحا كفيلة وحدها بأن ترفع حواجز الخجل من ارتكاب الأخطاء، أما عند الخطأ غير المقصود أو التقصير العلمي فيفاجئك باقترابه منك مساعدا والتفكير معك في حل، ولطالما اكتشف طلاب أنه التقى أهاليهم سراً وناشدهم دعم أبنائهم في بناء شخصيتهم وتقوية ثقتهم وتمكينهم من تجاوز القصور العلمي.

وبما أن الكويت آنذاك، أكرر آنذاك، كانت منارة العلم والثقافة في محيطها فإنها احتضنت طلاباً من كل دول الخليج وأسكنتهم في مساكن خاصة، وكان الاستاذ الياسين بعد دوامه المدرسي يشرف أيضا على هذه البيوت ويبني علاقات مع الطلبة الوافدين ويقف على حاجاتهم ويتأكد من تطبيق النظام في أماكن سكنهم... ولا شك في أن الكثيرين منهم ما زالوا يتذكرون هذا الرجل وشعاره الدائم في حديثه معهم: «الأخلاق والنجاح».

يسرقني الحاضر من خاطرتي فأحاول أن أفهم لماذا تراجع التعليم؟ لماذا كنا نستقطب طلاب الخارج واليوم نحن أكثر من يرسل طلاباً إلى الخارج؟ لماذا صار التعليم مهنة ودواما بعدما كان رسالة؟ لماذا ينجح كثيرون من دون اكتساب معرفة حقيقية؟ لماذا تتسع الهوة بين المعلم والتلميذ وبين العلم والمتعلمين؟ لماذا كان الأنصاري والياسين وزملاؤهما يضيفون إلى المنهج مراجع خارجية يحضرونها معهم ويوزعونها على الطلاب لتوسيع مداركهم ولماذا يضيق المنهج اليوم الى درجة التخلف؟

كلما كثرت الأسئلة أسرتني خاطرتي وسيطرت على التفكير والتحليل. كان الأنصاري والياسين وأقرانهما مدرستي ومدرسة الكويت... كانوا الكويت.


جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي