الرأي اليوم / تعلموا من أحمد

تصغير
تكبير
والله العظيم ثم والله العظيم ثم والله العظيم، الحكومات المتعاقبة في الكويت مسؤولة بشكل رئيسي عن انحدار الامور من سيئ إلى أسوأ، ويمكن أن نعيد القسم عشرات المرات بالنسبة إلى التردد في اتخاذ القرارات وتعطيل التنمية والفشل في محاربة الفساد ووقف هدر المال العام. بل يمكن أن نبصم بالأصابع العشرة على أن بعض أوجه الفساد وهدر المال العام مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى عند اعتماد سياسة شراء الولاءات أو محاولات تغطية المشاكل الحقيقية بالمال للابتعاد عن «عوار الراس» بشكل موقت.

مسؤولية الحكومة تكتب عنها مجلدات، ولكن علينا ألا ندفن رؤوسنا كالنعام في الوقت نفسه ونقول إن كل السلطات الأخرى في الدولة كامرأة القيصر فوق الشبهات. نحن ندعي أننا في نظام يمتلك حدودا معقولة من الديموقراطية. لدينا دستور وقوانين وانتخابات تمثيلية ومؤسسات رقابة ومحاسبة، ولدينا نواب وسياسيون حناجرهم صاخبة وألسنتهم لاذعة، ومن غير المعقول ان كل ما هو خارج إطار الحكومة عديم الفاعلية أو خارج نطاق المسؤولية، وإلا فحكومات الكويت بهذه الحالة هي حكومات «سوبرمان» مع أن المعارضة تحديدا تعتبرها حكومات الضعف والعجز.


بمنتهى الصراحة، نقول إن مسؤولية تردي الأوضاع العامة تتحملها أيضا التشكيلات النيابية المتعاقبة وعلى رأسها بعض التشكيلات المعارضة سواء كانت فرداً أو حركة أو تنظيما أو تجمعا. ولأذهب في الصراحة إلى مدى أبعد أقول إننا امتلكنا بعد الغزو نوابا وسياسيين لكننا لم نشهد وجود رجال دولة إلا في ما ندر... بل إن بعض المعارضين استخدم كل الأسلحة الكفيلة بتدمير النهج الذي سار عليه سابقا رجال الدولة، واعتمد الطائفية والقبلية والتطرف والواسطة والمحسوبيات والولاءات الضيقة، وهي العوامل التي كرس المعارضون السابقون كل وقتهم لمحاربتها ومواجهة الحكومة دائما بخطاب عصري قانوني وطني دستوري.

بعض المعارضين والنواب والسياسيين ارتكبوا الموبقات والكبائر تماما كما فعلت الحكومات، فقط من أجل نجاحهم الشخصي في فترة معينة وتثبيت قوتهم في المشهد العام ولو على حساب الثوابت الوطنية. حاربوا الفساد علنا ثم شاركوا الوزارات سرا في مشاريع وقرارات فاسدة. حاربوا الواسطات ثم اغرقوا الوزارات بالمعاملات. حاربوا المحسوبيات ثم ملأوا الإدارة بتعيينات الأنصار والمحبين والمستفيدين. حاربوا انتهاك القانون وانتهكوا القانون في أكثر من مناسبة... وحتى عندما أسسوا تجمعات كانت هذه التجمعات ببعد يخدم مصالحهم ومطالبهم الآنية لا ببعد وطني عام جامع.

لا مسؤولية الحكومات المتعاقبة عن فشل الادارة في الكويت من الأسرار، ولا مسؤولية بعض المعارضين عن الفشل نفسه من الأسرار. وإذا كان اليأس من الأداء الحكومي يبلغ مداه، فإن اليأس من وجود رجال دولة في الميدان الوطني يجب أن يتوقف عند حدود معينة لأن الكويت بتاريخها وحيويتها السياسية وتجاربها لابد أن تعيد إنتاج هذا النوع من الرجال بل إن بعضهم موجود في الواقع ولا شك في أنه يواجه تحدياً مزدوجاً: ضيق السلطة ومحاربتها له من جهة، وضيق المعارضة ومحاربتها له من جهة أخرى.

قلناها ونقولها دائما، مشكلة الكويت تكمن في ندرة رجال الدولة. رجال بالمعنى الوطني الواسع لا بالمعنى الفئوي الضيق. رجال يحملون الهم العام وفق أسس علمية وعصرية وبرامج جامعة وحلول واقعية ومفيدة. وهؤلاء الرجال هم الأقدر فعلاً على مواجهة الحكومة من دون إعطائها «مماسك» على تحركهم، إذ لا يمكنها أن تتهمهم بإثارة نعرات طائفية أو قبلية، أو بتجاوز القانون وانتهاكه، أو باستخدام مناصبهم لبناء ممالك عمادها المعاملات والمحسوبيات والولاءات.

على سبيل المثال لا الحصر، قد لا نتفق مع الزميل أحمد الديين في الكثير من المبادئ التي يطالب بها، وقد نعتبرها في غربة عن واقع الكويت والكويتيين، ولكن هل يمكن لأحد أن يقول إن الديين ليس رجل دولة؟ ألا يطرح كل ما يريد طرحه تحت سقف الدستور والقانون؟ هل يستطيع أحد أن يشكك في ذمته المالية؟ في نظافة كفه؟ هل يدلنا أحد على موقف طائفي أو مذهبي أو انقسامي له؟ هل استخدم موقعه في المعارضة لتمرير معاملات أبناء القبيلة أو الطائفة أو الدائرة وحشر الإدارات بالموالين بغض النظر عن كفاءتهم وشهاداتهم؟ هل أساء مرة إلى الموقف الوطني لأهداف خاصة أو مرحلية؟ هل صدح بالديموقراطية إذا كانت لمصلحته وعاب على غيره حق الخلاف والاختلاف والنقد والتعبير الحر؟ وهل هاجم شيخاً صباحاً ثم زاره ليلاً لمصالح خاصة كما يفعل اليوم بعض «أبطال» المعارضة؟

أعود وأكرر أن ما نختلف عليه مع الديين قد يكون أكثر مما نتفق عليه، لكنه نموذج لرجال الدولة والتنوع المطلوب تعميمه في الرحاب الوطني. وليسأل بعض النواب والمعارضين أنفسهم ما إذا كان أسلوبهم قد ضايق فعلاً الحكومات والسلطة أم أن النموذج الذي قدموه كان خير «هدية» للحكومات والسلطة... هذا إذا افترضنا أن هؤلاء استفاقوا من وهم الغرور و«تواضعوا» بقبول السؤال.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي