الرأي اليوم / ... لا تنفخوا في الكير!


عندما تأخذ السعودية والإمارات والبحرين وقطر خيارات توصل إلى قرارات سياسية معينة، فمما لا شك فيه ان هذه القرارات لها أسبابها وأهدافها وظروفها، كما أنها عرضة للتقييم بعد فترة وللتغيير... وربما الانتفاء إذا انتفت الأسباب.
التجارب داخل البيت الخليجي غلبت دائما التوافق على التناحر. نتذكر في هذا الإطار تحديداً أن الخلافات بين بعض الدول وصلت قبل اعوام مرحلة تبادل الاتهامات بالتدخلات العسكرية لا التدخلات السياسية فحسب، وكان صوت العقل هو الأعلى والأغلب.
نقول هذا الكلام ليس من باب الشعارات العاطفية والكلام الانشائي، بل على العكس من ذلك فقد كنا أول من تحدث عن وجود خلافات خليجية فيما كان الآخرون يكتبون شعراً ونثراً عن المحبة والغرام بين دول الخليج... نقول هذا الكلام مساهمة في كبح عجلات دورة أخرى من دورات الخطأ تديرها هيئات غير سياسية في الطريق الخطأ.
عندما تأخذ الانظمة قراراتها فهي الأقدر على شرحها وحمايتها وترجمتها، ولا نعتقد أنها بحاجة (ولا شعوب الخليج) الى حملة الدفوف ونافخي الكير والمسترزقين من الأزمات. فالخلاف اليوم قد ينتهي غدا والمبالغة في تأييد القرارات أو مهاجمتها قد تضر فعلا بالاهداف التي سعت الى تحقيقها الدول التي اتخذت هذه القرارات.
من جانب آخر، لابد من القول إن بعض المواقف التي اتخذها اعلاميون ومعلقون ومذيعون ومثقفون ومفكرون أيضا تبعث على الاسف والحزن، خصوصا لجهة مقاطعتهم لاعمالهم في هذه الدولة أو تلك انسجاما مع الخلافات السياسية بينها. فرغم كل المحبة لهؤلاء والاعجاب بهم الا اننا كنا نتمنى منهم «النأي بالنفس» عن قرارات الانظمة لانهم اقرب الى الميدان الانساني من السياسي، وهذا الميدان يفترض انه يؤثر ايجابا في السياسة ولا يتأثر بها سلبا، كما ان له مملكته التي تضم عشرات ملايين المتابعين على امتداد العالم العربي عقدوا لها الولاء في الرياضة والاعلام والبرامج والمنوعات والفن والثقافة.
الخلافات السياسية طارئة والحقائق باقية. تباين وجهات النظر مسيرة متحركة والجغرافيا ثابتة. صراع المواقف يتحول والتاريخ راسخ. هناك خلافات؟ صحيح جدا، لكن هل من مصلحتنا أن ننقل هذه الخلافات من إطار الأنظمة الى ميدان الشعوب؟ أم أن مصلحتنا تكمن في أن تكون المجتمعات المدنية الخليجية حصن هذا البيت مهما تباينت المواقف؟
سيقول قائل إن هذا المواطن أو ذاك انما هو جزء من نظامه وليس منفصلا عنه، أو انه يستشعر المسائل نفسها التي يستشعرها النظام والقضايا الخلافية التي طرحت تعكس وجهة نظره ايضا. وهو رأي له احترامه وتحديدا في الجانب العاطفي. لكننا تعودنا في الخليج تحديدا على أن حصر الامور في الدوائر الضيقة أفضل من توسيعها لان اعادة «لملمة» الملفات أسهل، أما توسيع الدائرة في الاتجاهات الشعبية فله انعكاساته السلبية لانه يعمق الجراح ويؤجج المشاعر ويجعل «لململة» الملفات أصعب.
الأنظمة تتصالح، وكما ذكرت سابقا، فان الاسباب موضع الخلافات كانت أكبر في السابق. ولنكن صريحين ونتكلم كشعب خليجي لا كأنظمة، ونتذكر ان بعض المسائل الخلافية في السابق كان لها طابع وجودي حقيقي لا طابع التباينات في وجهات النظر. كانت دول تتهم أخرى بمحاولة قلب نظامها، وأخرى تتهم دولا بالاساءة الى رموزها التاريخيين وقادتها الحاليين، ودول تحتج على النهج الاعلامي ودول تحتج على سياسة خارجية ودول تحتج على ازدواجية المعايير... ومن كان له من السياسيين دور في الغرف المغلقة خلال القمم الخليجية يعرف تماما ما نقوله هنا، بل إن بعض هؤلاء السياسيين توقع ألا تشرق شمس النهار ومجلس التعاون الخليجي موجود.
وسأطرح على النخب المدنية والشعبية الخليجية أسئلة «استيضاحية». هل المسائل موضع الخلاف بين بعض الدول الخليجية محددة بدائرة معينة أم أنها تشمل الجميع؟ هل التدخل الخارجي هنا أو هناك حكر على دولة واحدة؟ هل هنا التدخل صح وهناك خطأ؟ هل التعاون سابقا مع طرف بعينه جائز ومحبب والآن خطر؟ حسنا، ومنعا لاستدراج حساسيات سأتحدث عن الكويت، بلدي، هل نحن دولة لم تتدخل في النزاع هنا أو هناك؟ تارة تحت غطاء شعبي وحتى قبلي، وطورا تحت غطاء انساني، ومرة بغطاء اسلامي؟ وهل نحن دولة لم تتعرض لبعض التدخلات من الخارج بأشكال مختلفة؟ أليس بيننا من هو مستعد لإشعال النار في الداخل ضد امر ما بحجة المبدئية ثم «يطبل» للأمر نفسه اذا حصل في دولة أخرى ويعتبره برداً وسلاماً؟
لن استفيض في الاسئلة والامثلة كي لا نبتعد عن جوهر الموضوع، إنما أقول للنافخين في الكير والمسترزقين من الازمات و«المطبلين» ان الدول الخليجية لا تحتاج الى «فزعتهم» بل الى هدوئهم. خصوصا الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية التي كلما نشدنا العقل والتعقل وجدناه لديها، وكلما طلبنا الدعم لقيناه منها، وكلما احتجنا الى المساعدة والاحتضان هبت متقدمة الصفوف. كما أتمنى على أهلي، أهل الاعلام والرياضة والفن والثقافة والفكر وكل أطر المجتمع المدني، ان يتوقفوا عن خيار المقاطعة الذي اعتمدوه في هذه الدولة أو تلك، وان يكثفوا حضورهم التعاوني مع أشقائهم، فالتكامل هو القاعدة والتنافر استثناء.
... هل نكون كمجتمع مدني مرآة تعكس دوراً إيجابيا أم مجرد صدى لخلافات ظرفية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
جاسم بودي
التجارب داخل البيت الخليجي غلبت دائما التوافق على التناحر. نتذكر في هذا الإطار تحديداً أن الخلافات بين بعض الدول وصلت قبل اعوام مرحلة تبادل الاتهامات بالتدخلات العسكرية لا التدخلات السياسية فحسب، وكان صوت العقل هو الأعلى والأغلب.
نقول هذا الكلام ليس من باب الشعارات العاطفية والكلام الانشائي، بل على العكس من ذلك فقد كنا أول من تحدث عن وجود خلافات خليجية فيما كان الآخرون يكتبون شعراً ونثراً عن المحبة والغرام بين دول الخليج... نقول هذا الكلام مساهمة في كبح عجلات دورة أخرى من دورات الخطأ تديرها هيئات غير سياسية في الطريق الخطأ.
عندما تأخذ الانظمة قراراتها فهي الأقدر على شرحها وحمايتها وترجمتها، ولا نعتقد أنها بحاجة (ولا شعوب الخليج) الى حملة الدفوف ونافخي الكير والمسترزقين من الأزمات. فالخلاف اليوم قد ينتهي غدا والمبالغة في تأييد القرارات أو مهاجمتها قد تضر فعلا بالاهداف التي سعت الى تحقيقها الدول التي اتخذت هذه القرارات.
من جانب آخر، لابد من القول إن بعض المواقف التي اتخذها اعلاميون ومعلقون ومذيعون ومثقفون ومفكرون أيضا تبعث على الاسف والحزن، خصوصا لجهة مقاطعتهم لاعمالهم في هذه الدولة أو تلك انسجاما مع الخلافات السياسية بينها. فرغم كل المحبة لهؤلاء والاعجاب بهم الا اننا كنا نتمنى منهم «النأي بالنفس» عن قرارات الانظمة لانهم اقرب الى الميدان الانساني من السياسي، وهذا الميدان يفترض انه يؤثر ايجابا في السياسة ولا يتأثر بها سلبا، كما ان له مملكته التي تضم عشرات ملايين المتابعين على امتداد العالم العربي عقدوا لها الولاء في الرياضة والاعلام والبرامج والمنوعات والفن والثقافة.
الخلافات السياسية طارئة والحقائق باقية. تباين وجهات النظر مسيرة متحركة والجغرافيا ثابتة. صراع المواقف يتحول والتاريخ راسخ. هناك خلافات؟ صحيح جدا، لكن هل من مصلحتنا أن ننقل هذه الخلافات من إطار الأنظمة الى ميدان الشعوب؟ أم أن مصلحتنا تكمن في أن تكون المجتمعات المدنية الخليجية حصن هذا البيت مهما تباينت المواقف؟
سيقول قائل إن هذا المواطن أو ذاك انما هو جزء من نظامه وليس منفصلا عنه، أو انه يستشعر المسائل نفسها التي يستشعرها النظام والقضايا الخلافية التي طرحت تعكس وجهة نظره ايضا. وهو رأي له احترامه وتحديدا في الجانب العاطفي. لكننا تعودنا في الخليج تحديدا على أن حصر الامور في الدوائر الضيقة أفضل من توسيعها لان اعادة «لملمة» الملفات أسهل، أما توسيع الدائرة في الاتجاهات الشعبية فله انعكاساته السلبية لانه يعمق الجراح ويؤجج المشاعر ويجعل «لململة» الملفات أصعب.
الأنظمة تتصالح، وكما ذكرت سابقا، فان الاسباب موضع الخلافات كانت أكبر في السابق. ولنكن صريحين ونتكلم كشعب خليجي لا كأنظمة، ونتذكر ان بعض المسائل الخلافية في السابق كان لها طابع وجودي حقيقي لا طابع التباينات في وجهات النظر. كانت دول تتهم أخرى بمحاولة قلب نظامها، وأخرى تتهم دولا بالاساءة الى رموزها التاريخيين وقادتها الحاليين، ودول تحتج على النهج الاعلامي ودول تحتج على سياسة خارجية ودول تحتج على ازدواجية المعايير... ومن كان له من السياسيين دور في الغرف المغلقة خلال القمم الخليجية يعرف تماما ما نقوله هنا، بل إن بعض هؤلاء السياسيين توقع ألا تشرق شمس النهار ومجلس التعاون الخليجي موجود.
وسأطرح على النخب المدنية والشعبية الخليجية أسئلة «استيضاحية». هل المسائل موضع الخلاف بين بعض الدول الخليجية محددة بدائرة معينة أم أنها تشمل الجميع؟ هل التدخل الخارجي هنا أو هناك حكر على دولة واحدة؟ هل هنا التدخل صح وهناك خطأ؟ هل التعاون سابقا مع طرف بعينه جائز ومحبب والآن خطر؟ حسنا، ومنعا لاستدراج حساسيات سأتحدث عن الكويت، بلدي، هل نحن دولة لم تتدخل في النزاع هنا أو هناك؟ تارة تحت غطاء شعبي وحتى قبلي، وطورا تحت غطاء انساني، ومرة بغطاء اسلامي؟ وهل نحن دولة لم تتعرض لبعض التدخلات من الخارج بأشكال مختلفة؟ أليس بيننا من هو مستعد لإشعال النار في الداخل ضد امر ما بحجة المبدئية ثم «يطبل» للأمر نفسه اذا حصل في دولة أخرى ويعتبره برداً وسلاماً؟
لن استفيض في الاسئلة والامثلة كي لا نبتعد عن جوهر الموضوع، إنما أقول للنافخين في الكير والمسترزقين من الازمات و«المطبلين» ان الدول الخليجية لا تحتاج الى «فزعتهم» بل الى هدوئهم. خصوصا الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية التي كلما نشدنا العقل والتعقل وجدناه لديها، وكلما طلبنا الدعم لقيناه منها، وكلما احتجنا الى المساعدة والاحتضان هبت متقدمة الصفوف. كما أتمنى على أهلي، أهل الاعلام والرياضة والفن والثقافة والفكر وكل أطر المجتمع المدني، ان يتوقفوا عن خيار المقاطعة الذي اعتمدوه في هذه الدولة أو تلك، وان يكثفوا حضورهم التعاوني مع أشقائهم، فالتكامل هو القاعدة والتنافر استثناء.
... هل نكون كمجتمع مدني مرآة تعكس دوراً إيجابيا أم مجرد صدى لخلافات ظرفية؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.
جاسم بودي