الرأي اليوم / عفواً ... ما هكذا يكون الاحتفال !

تصغير
تكبير
للأسف الشديد، سأمشي اليوم «عكس السير» في ما يتعلق بالاحتفالات الوطنية وذكرى التحرير، وسأقول ربما ما يختلج في صدور كثيرين لكنهم يحرجون في اعلانه.

هذه الاحتفالات لا تليق لا بالكويت ولا بالكويتيين، مع الاحترام الشديد لكل من بذل جهدا في رسم الفرح على الوجوه والنور على الأبنية. العيد يا جماعة بالجوهر لا بالمظهر، والمبالغة في الزينة والأضواء في كل دول العالم هو أقرب الى الطقس الديني منه إلى الوطني، سواء تعلق الامر بالأعياد الإسلامية أو المسيحية أو غيرها، اما في المناسبات الوطنية فدول العالم تتباهى كل عام بتقديم الأجدد والأجمل... ونحن نتفوق على أنفسنا في تقديم السيئ فالاسوأ.


عرف تكرس ولا نعرف من كرسه. مناسبتان من اهم مناسبات الكويت على الاطلاق يجري الاحتفال بهما كالتالي:

زينة فوضوية وبلا تنسيق وأحيانا كثيرة لا تليق بالمباني التي تعتليها. والمصيبة ان قصور الدولة رمز الهيبة مثل «السيف» التاريخي و«بيان» مسورة بإضاءات لا تمت الى المكانين بصلة. لم تكلف الجهة التي أقرتها نفسها باعتماد زينة تتماشى وتاريخ المكان أو رمزيته. ألوان فاقعة وغير متناسقة يمكن أن تراها في أي مقهى أو متجر أو مكان عام عادي... الا في هذين المكانين.

أضف الى ذلك ان الاحتفال يقتصر في طابعه الغالب على مسيرات السيارات وإطلاق من فيها مادة الفوم المؤذية (الممنوعة) على ركاب السيارات الأخرى. والمفارقة المؤلمة ان هذه الطريقة في الاحتفال اجتذبت «سياحاً» من دول الخليج الشقيقة يزورون الكويت ويجهزون سياراتهم بالعدة اللازمة من فوم واقنعة ورشاشات مياه.

هذا العرف يضع البلاد تلقائيا في حالة استنفار وطني، لان هذا النوع من الاحتفالات تسبب بحوادث وعرقلة السير وإقفال الطرق، وأتذكر جيدا في السابق عدد الحالات الصحية الطارئة والولادات التي لم يستطع اصحابها الوصول الى المستشفيات بسبب اقفال الطرق وغياب العقول في زحمة المعاكسات والمطاردات و«الترقيم»، ناهيك عمن دهستهم السيارات ونزفوا في اماكنهم إلى أن استطاعت الشرطة فتح طريق لسيارات الإسعاف. هل رأيتم بلداً في العالم يسمح فيه بارتكاب المخالفات في عيده الوطني؟ هل رأيتم بلداً تحتل السيارات أرصفته وطرقاته احتفالا فيما رجال الشرطة والاسعاف والدفاع الوطني يصلون الليل بالنهار لمحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه؟ هل رأيتم بلداً تسجل فيه أعلى نسبة حوادث وانتهاكات للقانون بحجة ان الناس «محتفلة»؟

هذا في الشكل أما في المضمون فالحديث أيضا يطول. قبل الغزو كنا القدوة في الأغاني الوطنية و«الأوبريتات» والمسارح والمنتديات الثقافية والفنية الراقية. أين نحن من ذلك كله اليوم؟ من همش هذه المشاركة الشبابية الطلابية الفنية المختلطة ومنعها من تقدم الصفوف الأولى لاحتفالات عيدي «التحرير» و«الوطني»؟. مناسبتان غاليتان يمكنهما رسم آلاف الصور واللوحات الفنية الرائعة التي تطلق أجمل الطاقات الكويتية وتظهر المواهب الكامنة لدى الشبان الموهوبين والطلاب والطالبات والفنانين والفنانات والمخرجين والمصممين. وهذه الاعمال الفنية الراقية كفيلة باستقطاب سائح خليجي وعربي وحتى أجنبي.

لماذا لا تستضيف الكويت «اوبرا» عالمية راقية في هاتين المناسبتين؟ لماذا لا تستقبل أهم الفرق الفنية في العالم؟ لماذا لا تفتح ملاعبها لفرق كروية دولية؟ لماذا لا تعقد ندوة دولية تستقطب أعظم المفكرين والمثقفين والسياسيين المدافعين عن الحرية والديموقراطية في العالم للحديث عن نعمة السيادة والاستقلال والتعاون الإنساني؟ لماذا لا نرى عرضاً عسكرياً محضراً له بشكل جيد؟ وقبل ذلك كله أين قصور الثقافة والمؤتمرات في بلد يكاد تقريبا ينفرد بغيابها في محيطه؟ وصدّقوني ان تكلفة ما ذكرته هو اضافة للكويت دولة ومجتمعاً وحضارة وثقافة ومنارة، بينما تكلفة غيابه خسارة للكويت. زد على ذلك أن تكلفة بعض النشاطات الراقية لا تعادل تكلفة الصرف العشوائي على تزيين هنا وإضاءة هناك مع كل الأذى البصري الذي تسببه، وبالتأكيد لا توازي حجم الخسائر المترتبة على يومين أو ثلاثة من الفوضى المطلقة تحت مسمى احتفالات.

في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات كتبت أن طريقة الاحتفال بعيدي الوطني والتحرير تسيء الى المعاني العظيمة لهاتين المناسبتين، وأن الكويتيين القادرين على السفر لا يفكرون مرتين قبل التوجه إلى المطار في عطلة الأعياد ليس كرهاً بها وإنما تلافٍ للغزو الذي تتعرض له الشوارع والطرقات... والعادات والتقاليد والقيم والأخلاق.

في مثل هذا اليوم من عام 2020 (إن أحيانا الله) سأكتب الكلام نفسه.

جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي