أي نظام عربي لأي أنظمة؟


مضحك مبك موقف المبعوثين الحكوميين السودانيين يتنقلون من عاصمة عربية الى اخرى طلباً للدعم واستجداء للمساعدة في حين أن ولي أمر النظام رئيسه الفعلي الدكتور حسن الترابي كان حتى الأمس القريب يهاجم مصر ومواقفها ويتساءل (في مقابلة اجرتها معه «الرأي العام»): من هي الكويت حتى أعتذر منها؟
فجأة يريد نظام الدكتور الترابي ان يضرب العرب صفحاً عما سمعوه ولمسوه من ممارسات شلة الفريق البشير في حق أبناء السودان اولاً وفي حق جيران السودان ثانياً، فيهبوا هبة رجل واحد ضد من يسميهم النظام السوداني وجبهته القومية «الغزاة»، لردع العدوان وحماية النظام العربي.
وبغض النظر عما إذا كانت أريتريا وأثيوبيا تتدخلان فإن الصراع الدائر في السودان حالياً هو صراع بين نظام البشير الذي يدعي النقاوة والطهارة والحرص على الوحدة وبين جزء من الشعب السوداني تتجلى فيه الوحدة فعلاً ويضم تنوعاً طائفياً واثنياً وسياسيا، وضِمن هذا الجزء مسلمون لا يستطيع الترابي وأترابه المزايدة على اسلامهم، وعلى رأسهم قريبه الصادق المهدي.
فجأة كلما تورط نظام عربي في مغامرة او تلقى نتيجة أعماله وتصرفاته ضد فريق من أبناء شعبه او ضد شعب مجاور ضربات موجعة، يبدأ هذا النظام، ومعه جوقة العروبيين والمستعربين من سياسيين ومعلقين، في الحديث عن النظام العربي ومآسي هذا النظام، متباكين عليه وعلى حال الأمة قائلين ان تفكك هذا النظام تفكك لأمنها ووجوده ضمان لمحافظتها على وحدة رؤيتها ووحدة مصالحها وتضامنها في وجه اعدائها. وينسى الذين يتحدثون عن النظام العربي ان هذا النظام لم يوجد مرة واحدة في تاريخ العرب الحديث ولم ينتظم في اي حال من الاحوال... وربّ ضارة نافعة.
لا احد يريد ان يرى دولة عربية تتعرض لهجوم من الخارج او تتجدد فيها الحرب الأهلية. لكن ليس من العقلانية في شيء ان ننتفض جميعاً كرمى لعيون النظام السوداني. ولماذا يطلب من العرب كلهم الدعم ولم ينس احد حين اجتاح العراق الكويت موقف الميليشيات الحاكمة في السودان من غزو تعرض له بلد عربي ومن انتهاك صارخ ليس فـقط لحدود الدول والكيانات بل لهذا النظام العربي الفريد الذي يتحـــدثون عنه؟
في الحقيقة لا يعني النظام العربي الذي يتباكى عليه السياسيون والمعلقون، في الوضع العربي الراهن، الا نظاماً يدافع عن ممارسات الأنظمة وهي في معظمها قائمة بالقوة، اذا جرت فيها استفتاءات كانت النتيجة 99 في المئة، ولو حصلت انتخابات سادها التزوير والتلاعب بالنتائج. والنظام العربي الذي يريدوننا ان نناصره في هذه الحال، هو باختصار، هذا النظام الذي يساعد الأنظمة على قمع الحريات في داخلها، وحرمان الأقليات من حقوقها بحجة الأمن القومي، وتكرار الكلام الفارغ عن التكافل والتضامن، ومنع منظمات حقوق الانسان من التحدث عما يحصل في كل دولة وتنسيق الجهود للحؤول دون حرية النشر وتبادل المعلومات.
من هذا المنظور فإن النظام العربي الذي يدعوننا الى المشاركة في تعزيز حصونه يوجب علينا ان ننصر حكام السودان بعد الذي اقترفوه في حق شعبهم، وبعد تورطهم في محاولة اغتيال رئيس دولة عربية وجارة، وبعد سلوكهم مسلك المنظمات لا الدول والحكومات. ومثال الارهابي كارلوس لا يزال ماثلاً في الأذهان. فلا الشهامة كانت تقتضي استضافته في الخرطوم. ولا الشهامة كانت تقتضي تسليمه الى فرنسا ناهيك عن تدريبات ومخيمات يرعاها السودان وهي مرفوضة من معظم الدول العربية جملة وتفصيلاً.
لا يفرح مواطن عربي على الاطلاق حين يغرق بلد عربي في الحرب او حين تتعرض وحدته للخطر. لكن الخرطوم يجب ان تفهم انها لا تستطيع بجولة يقوم بها مبعوثوها تجييش التضامن من الحكومات والشعوب العربية لمصلحتها. حتى ولو تحدثت عن مؤامرة امبريالية وصهيونية كبيرة وعن غزو خارجي يريد وضع يده على «نيلنا» ومياهه، فقبل البشير تحدث صدام عن محاولة خارجية لوضع اليد على «نفطنا» ومنابعه ولم يجده ذلك نفعاً.
واقع الأمر ان مشكلة النظام العربي في داخله وليست في خارجه، ومأساته في نظرية المؤامرة التي تجعل من كل معارض مطالب بحق عميلاً للخارج. ولا تعوزنا الأمثلة ، فمعارضة السودان لا ترى الجهة القومية الاسلامية سوى انها عميلة لأثيوبيا واميركا والصهيونية، حتى ان معارضة الاتحاد العمالي العام في لبنان ومحاولاته التظاهر من أجل لقمة العيش اعتبرتها السلطة في لبنان جزءاً من مؤامرة اسرائيلية. اما المعارضة اليمنية فهي «زمرة وعصابة»، والمعارضة الليبية «كلاب ضالة»، وبالطبع فإن المعارضة العراقية هي ربيبة «الامبريالية والسي. اي ايه». وهكذا دواليك... ثم يريدوننا ان ننتفض لتحصين النظام العربي وان نهب لنصرة حكام السودان على طريقة الجاهليين: «وما أنا إلاّ من غزية إن غوت غويت...» كل ذلك صوناً لوحدة موهومة ولنظام عربي يتغطى بشد أطرافه كل مستبد أو حاقد أو صاحب أطماع.
رئيس التحرير