رياح التطبيع وتوافه الكلام

تصغير
تكبير
يستطيع الكويتيون حكومة وشعباً التنديد بالنظام العراقي وتوجيه الشتائم إلى صدام صبحاً وظهراً، ومن المساء حتى صياح الديك. لكنهم لا يستطيعون إنكار حقيقة باتت واضحة، وهي أن التضامن العربي والخليجي والدولي في مواجهة صدام بدأ يتضعضع وأن اختراقاً مهماً سجل في جبهة الموقف المتشدد من النظام العراقي. لا يُلام الفرنسيون ولا الروس ولا الأتراك على مواقفهم، فالدول تبحث عن مصالحها. ولا يمكن إدارة الظهر لمواقف عربية وخليجية باتت تطالب سراً أو علناً بالتطبيع مع بغداد، في وقت وصلنا رغماً عنا إلى قناعة بأن تغير أسلوب الحكم في العراق بزوال صدام حلم صعب المنال. فمن يستطيع إزاحة صدام إلا من هو أشد منه شراسة ووحشية؟ ومن يستطيع أن يضمن من يخلفون صدام بعدما تملكت نفوس هؤلاء شهوة غزو الكويت وامتلاكها. ولا فرق في ذلك بين نظام وخوارج عن النظام ومعارضة. بعد تجربة الغزو والحصار والمقاطعة، ودول الضد والتطبيع معها، وملامح تطبيع الآخرين مع صدام، تبقى حقيقة ثابتة، هي أن كل شيء قابل للتغيير والنقاش باستثناء الجغرافيا، لا فرار منها، ولا قدرة على التنكر لوجودها، وبالتالي لا بد من التعامل معها كونها واقعاً ملموساً وقدراً لا فكاك منه. وواقع الجغرافيا يفرض في النهاية العودة إلى الواقعية، وهي مؤلمة وجارحة ومليئة بالأفخاخ والحذر. لقد ثبت بالملموس أن التهويل والتصفيق والتخويف لا تنفع وأن الشتيمة لا تسمن. كلام كثير أطلق، بعضه عن قناعة أكيدة، وكثير منه للاستهلاك والتجاوب مع رغبات الشارع لكن المهم أن ندرك أن شيئاً كثيراً تغير فماذا أعددنا للتغيير الكبير؟ التطبيع مع نظام بغداد آت. كلام قاس لا يحب سماعه المسؤولون ولا المواطنون. لكن إصرارنا على تجاهل هذا الواقع خديعة للنفس وخديعة للشعب الكويتي. فماذا أعددنا لمرحلة التطبيع؟ ننجرف في تطبيع محتمل أم نبتسم لصدام أم نغفر لنظام بغداد؟ ليس وارداً كل ذلك. لكن واجبنا قراءة المرحلة بواقعية وتأنٍ والاستعداد بكل ما أوتينا من قوة على كل الصعد لتحصين أنفسنا وسد الثغرات. وأول الاستعداد تحصين جبهتنا الداخلية عبر التفاف كامل حول الأولويات الوطنية وتثبيت سياسة واضحة ومنسجمة في الحكومة، وبين الحكومة والمجلس، وتحديد التحديات الوطنية المطروحة، والتخفيف قدر الإمكان من الحساسيات والمصالح الشخصية. وثاني الاستعداد تمتين علاقة الكويت بدول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً مع السعودية، فهي الأخ الأكبر والسند الأساسي في الملمّات، وهي بحجمها السياسي والعسكري وعلاقاتها الدولية الفاعلة ضمانة ليس فقط للكويت وأمنها بل لدول مجلس التعاون كافة ولاستقرار الخليج. وبالطبع يجب على الكويت أن تستمر في التطلع إلى مصر رائدة في العالم العربي، وبعداً قومياً وسياسياً مهماً، وعنصر توازن ودعم في الحرب والسلم. أما إيران، فالخطأ كل الخطأ أن تعامل وكأنها طرف غريب أو خارجي أو طرف يجب التعاطي معه بريبة وحذر، وواجب الكويت بناء علاقة ودية وعلاقة صداقة وحسن جوار دائم معها لأن في ذلك مصلحة الكويت ومصلحة الخليج ومصلحة طهران وصورتها لدى العرب والعالم. ومن الثلاثي المذكور قوة أكيدة لا تلغي العلاقة الأساسية والشديدة الأهمية مع الولايات المتحدة، لكنها تجعل تلك العلاقة أكثر توازناً وأكثر احتراماً. فالاعتماد على واشنطن فقط غير كاف. وعلى رغم تقدير الكويتيين للدور الأميركي في تحرير الكويت فإن التاريخ يعلمنا أن أميركا تفكر بمصالحها وليس بعواطفها، ومصالحها اليوم معنا ولكنها قد تصير مع غيرنا غداً. قدرنا في الكويت أن حجمنا الجغرافي والسكاني مقارنة بالعراق لن يسمح لنا بأن نكون في أي وقت من الأوقات في موقع الند للند معه عسكرياً. لذا علينا الاستعداد لأي تطور عبر علاقاتنا الخليجية والعربية والدولية. وعبر تماسك جبهتنا الداخلية، فهي الأساس وعليها الاعتماد. فهل قررنا الاستعداد؟ وهل نحن واعون للتطورات؟ وهل أعددنا أنفسنا؟ كثير من التفكير في هذه الأسئلة مطلوب. ومطلوب ليس من أجل ممارسة تمارين ذهنية... لكن ربما نبدأ التفكير حين نسيطر على نزعاتنا الكلامية ونبدأ الفعل بدلاً من التباري في مناطحة العراقيين في كل محطة تلفزيونية أو صحيفة. وربما نبدأ التفكير والاستعداد حين ننهي بعض الجدل الآخذ معظم وقتنا وجلّه عقيم. فالأكيد أن الحفلات الغنائية، راقصة أم غير راقصة، والعلاقات المثلية في الجامعة، والخلافات الفقهية التي تتشعب لتثير مشاعر مذهبية بغيضة، والشبهة الدستورية، ليست من أولوياتنا. والعبر تؤخذ من التاريخ. فقبلنا اختلف أهل بيزنطة على جنس الملائكة فيما كانوا محاصرين. ونحن الآن نسأل: من يحاصر من؟ هل نحن نحاصر صدام والعراق أم أن رياح التطبيع معهما بدأت في حصارنا ونحن في توافه الكلام غائبون؟ رئيس التحرير
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي