المال والحقوق وبحر الكلام

تصغير
تكبير
نحمد الله على أن مجلس الأمة والحكومة توصلا إلى تسوية في شأن مناقشة البرنامج. ونحمد الله على أن الطرفين في النهاية قررا أن الصالح العام له الأولوية على الخلافات والمناكفات، وتنبها إلى أن المواطنين سئموا جدلاً بيزنطياً متكرراً، عنوانه حيناً الشبهة الدستورية، وعنوانه حيناً آخر وسيلة مناقشة برنامج الحكومة. في الواقع لو ان الجهد الذي بذل في التجاذب بين المؤسستين بذل ربعه في معالجة مشاكل الدولة والناس لحصل تقدم ملحوظ في الأداء ولربما حلت قضايا وجب حلها. ولو أن مجلس الأمة أخذ على عاتقه منذ بداية عهده الحالي الميمون الدفاع عن حقوق الناس وعن مصالحهم لما احتجنا ربما إلى تأسيس جمعية للحفاظ على المال العام. وفي المناسبة فإن انشاء جمعية للحفاظ على المال العام هدف نبيل لا نشكك في صدقية القائمين عليه بل على العكس نبارك سعيهم وكل مسعى شبيه. لكن لنا ملاحظات: الأولى ان مصطلح المال العام واسع وفضفاض ويشمل كل ما تملكه الدولة من عمود النور إلى احتياط الأجيال القادمة. فهل ستضع الجمعية تعريفات ثانوية للمصطلح أم ستضع أولويات أم ستثير قضايا جماهيرية شعبية؟ والملاحظة الثانية أن أحد أبرز مبررات وجود مجلس الأمة هو الحفاظ على الصالح العام، والمال العام جزء أساسي منه، والمجلس هذا هو الذي يجب ان يراقب ويشرع ويضع حدوداً للمخالفات والهدر والتجاوزات والفضائح. والأمثلة كثيرة وأكثر من أن تحصى. وهي تبدأ بالاستثمارات في أسبانيا ولا تنتهي بالإسكان والتوظيف، وبينها قضايا وقضايا ضاعت في دهاليز مجالس الأمة وغطاها غبار النسيان في أدراج اللجان. والملاحظة الثالثة وهي أنه على رغم أهمية وجود جمعية للحفاظ على المال العام فإن هذه الجمعية وما شابهها من جمعيات ليست بديلاً من الرقابة الشعبية المباشرة عبر الناخبين بل ربما تسببت في اشكالات لدى الناس في طريقة المحاسبة. والخطر هو أن تتغلب مصلحة المهيمنين على هذه الجمعيات على المصلحة الأصلية التي وجدت من أجلها فندخل بالتالي في منازع شخصية وشبه حزبية من الأكيد ان الكويت في غنى عنها. بين الحكومة والمجلس جدل هو صحـي أحياناً، وملهاة مؤسفة أحياناً أخرى تضيع الوقت والجهد. وفي الوقت الضائع تضيع مصالح الناس وتضيع حقوقهم. ولعل تأسيس جمعية الحفاظ على المال العام يشكل صدمة للمجلس ليدرك أن الأولوية هي الحفاظ على المصلحة العامة وأولها حقوق المواطنين الأساسية. وليأخذ المجلس موقفاً من كل التجاوزات فيرفض مثلاً التعيين حين لا يستند إلى الكفاءة بل إلى الواسطة من نائب أو شيخ اومسؤول ويضع حداً لاستغلال النفوذ والاستفادة من المواقع على حساب المواطنين وأصحاب الحقوق. وحبذا لو يدرك المجلس أنه لولا الإحباط والتقصير في الأداء وفي تأمين حقوق الناس لما تشكلت جمعية حماية المال العام ولما لجأ المواطنون إلى هيئات بديلة تدافع عن المال السائب والحقوق السائبة. فهل ينتبه أهل الحكم والتشريع على السواء إلى الجمعية ـ الإنذار أم انها ستبقى صرخة في واد يتردد صداها ويعود جدلاً بين المجلس والحكومة، أو تختصر إلى نقطة في بحر الكلام؟ رئيس التحرير
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي