الإرهاب... مسؤوليتنا وتقنيات الجنون

تصغير
تكبير
من الآن وحتى تظهر التحقيقات الأميركية طبيعة الانفجار الذي أدى الى سقوط طائرة «تي. دبليو. اي» فوق المحيط الأطلسي، يمكن للتكهنات ان تذهب في اي اتجاه، ويمكن للمخيلة ان تتصور سيناريوهات ومخططات لا حصر لها، يدخل دائرة الاتهام فيها افراد ومجموعات ودول، ويخرج من تلك الدائرة افراد ومجموعات ودول جديرة بالاتهام، لكن الواضح ان الانفجار المريع جعل الارهاب الذي تعودنا عليه في السنوات الأخيرة يقفز الى الواجهة خصوصاً ان ذاكرتنا ملأى بارتكاباته وان آثاره لم تُمحَ بعد مثلما لم تمح من الذاكرة مجازر دير ياسين وكفر قاسم وارهاب الدولة الاسرائيلية في قانا واخواتها... نستعجل التحقيق. أو نلقي التبعة على أطراف معروفين ام على مجموعات نصف وهمية او نصف حقيقية او على انتهاء الحرب الباردة نادبين حظنا لغياب اتحاد سوفياتي كان الأب الروحي للارهاب المنظم وللتحريض الايديولوجي ضد الغرب، ومظلة الدول الوكيلة في العالم؟ ترانا نبكي ديكتاتورية قياصرة جدد فرخّت ديكتاتوريات وضبطتها أم ترانا نتوسل ديكتاتوريات فرّخت منظمات؟ وهكذا دواليك. كما اللعبة الروسية.لعب بأحجام متتالية تتداخل وتدخل ضمن اللعبة الكبيرة الأساسية. لماذا هذا الارهاب بالتحديد؟! ارهابنا نحن؟ ونحن كيف نستطيع عنه انفصالاً وبيننا وبينه ألف قضية وقضية؟ لا يمكننا بالطبع ادارة الظهر لانفجار الطائرة الأميركية. ولا نستطيع الاكتفاء باستمطار الرحمة على اجداث القتلى، فجثثهم تهيم في المحيط، مثلما لا نضع في سلة واحدة كل انواع الارهاب وكل دوافعه، أكان ارهاب دولة هو جزء لا يتجزأ من ديبلوماسيتها ام ارهاب منظمات تابعة لدولة، ام ارهاب مجموعات عابرة للقارات تتجاوز شكل ومضمون الدولة المركزية الحديثة لتتشابه ربما مع تلك الشركات العابرة للحدود وللدول، متعددة الجنسية والأهداف، متنوعة الأرباح، غير اننا في المقابل نرى الخيط الجامع لكل هؤلاء. أوليس الارهاب استخدام القوة العمياء للوصول الى اهداف غير مشروعة؟ قوة تبقى عمياء حتى ولو استخدم الارهابيون القنابل «الذكية». وارفع انواع التقنيات ترى اهدافها ولا تبصر. من انفجار الرياض الى انفجار الخبر في المملكة العربية السعودية. وقبله وقبلهما عشرات العمليات في أكثر من بلد عربي، وفي البحرين جارتنا القريبة قلباً وقالباً، البحرين التي لا يملك «الحرّاقون» فيها قنابل يفجرونها بذكاء شيطاني، لكنهم ليسوا غرباء عن مخططي تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك، ولم لا يكونون أخوة لم تلدهم ام واحدة لمفجري طائرة «بان اميركان» فوق لوكربي الاسكتلندية في 8891 ولخاطفي الرهائن وطاعني الأجانب على امتداد العالم العربي؟ وكيف لنا ان ننسى هذا الخيط «الروحي» الجامع بين كل هؤلاء وبين العملية الارهابية الأكبر في تاريخ الخليج الحديث ألا وهي غزو الكويت الذي تقترب ذكراه وبالكاد فرغنا من «تقصي» حقائقه. هل نحن متهمون عرباً ومسلمين؟ وهل علينا ان نشعر بذلك او ان نُستفز حين تحوم حول القلة منا الشبهات؟ بالطبع لا، لسنا متهمين، لكننا لا نستطيع نفض اليد من مسؤوليتنا خصوصاً ان لا ضمانة ألا نؤخذ بالشبهة، وأول مسؤوليتنا اننا ضحايا الارهاب لا يميز بيننا وبين الآخرين، استهدفنا ويستهدفنا أكثر مما يستهدف «غرباً علمانياً مجرماً» يرهبوننا ويرهبونه بأسلحته بعدما حضر «مثقفونا» وبعض الدعاة منا لنظريات «العداء الحتمي» و«اكتساب التقنيات دون الثقافة»... وأي تقنيات واي ثقافة هي تلك التي نستوعب ونرفض؟ بالطبع لا. فنحن أول الضحايا. تارة لدول تمارس باسم العروبة الارهاب على شعوبها وجيرانها، وطوراً لقلة ترتكب باسم الاسلام جرائم على امتداد الدول الاسلامية فكأن التفجير والخطف او الذبح الجزائري «الحلال» او كأن السيارات المفخخة التي تأتي بها تلك الأفكار الجهنمية، جزء من واجب ديني او جهاد لم يظهر من حلاله سوى استحلال دم الأبرياء. أكثر ما يؤذي في الارهاب استفادته من عاملين: 1 ـ تضليل ايديولوجي يقوده مثقفون وكتاب يشرّعون فيه لما يشبه الارهاب وإن لم يجرؤوا على تشريع الارهاب نفسه. 2 ـ شفافية يفرضها التطور وتؤمن للارهاب مسرحاً وحضوراً، فالارهاب يحتاج الى الاعلام، واعلام الارهاب مجلجل لأن احداثه درامية والدراما القوية تجذب حضوراً كثيفاً. واضح ان لا دولة ستتمكن في المدى المنظور من القضاء نهائياً على الارهاب. ولا دولة مهما تعقدت تقنياتها تستطيع منع حدوث اعمال ارهابية اداتها بدائية ام متطورة. وربما وصلنا يوماً الى مرحلة تصير فيها المغامرات القصصية وافلام الرعب واقعاً معاشاً حين يمتلك الارهابيون الهائمون أسلحة بيولوجية وربما نووية. لذا فان المسؤولية كبيرة ولا تقتصر على الحكومات وعلى الاجراءات الأمنية. فهي مسؤولية الجميع ومهمتهم على كل المستويات افراداً ومنظمات أهلية واندية ثقافية. واول ممارسة المسؤولية تعميم ثقافة مناهضة للارهاب ورافضة اي تبريرات لأي نوع منه مهما كان الهدف ومهما كان المستهدفون. ولا بد ان يترافق ذلك مع تشبث بثبات انظمتنا في الخليج وضرورة استقرارها بما يؤمن دفعها نحو التطوير الهادئ مع التأكيد على ان العروبة الحقيقية كما الاسلام لا يتحققان بالدعوة الى الانفصال عن شعوب العالم وثقافاته بل بالتكامل واكتساب المفيد والتعامل الايجابي وليس بالعداء وافتراض العداء، ومن دون زرع تلك الروح المناهضة للارهاب لن نسير نحو ديموقراطيتنا، وستبقى الغالبية أسيرة الأقلية. والأقلية أسيرة ضيق الأفق وجنون التقنيات تكتسبها بلا ثقافتها ولا ثقافتنا وتحولها غزواً أو ذبحاً او قهراً او لهيباً بلا وازع من قانون او عقل او ضمير او دين.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي