متآمر أم مغامر؟


بعد خمس سنوات من احتلال الكويت وتحريرها تتكرر ظواهر تدفع إلى معاودة طرح السؤال نفسه: ماذا قالت ابريل غلاسبي لصدام؟ وكيف فهم صدام ما قالته غلاسبي؟ وحين يحل هذا اللغز وتتضح حقيقته، يمكن للكويتيين والعرب والعالم فهم هذه العلاقة الأميركية ــ العراقية الغريبة.
وكلما عاد جو التوتر إلى المنطقة وعادت معه حال اللااستقرار يعود السؤال: ماذا يستفيد صدام حسين من خطواته؟ وماذا تستفيد واشنطن من عثرات صدام حسين؟ واضح أن بعضها مدروس، ولا جدل في أن أكثرها مرتجل يصدر عن رأس فارغة. ورغم ذلك يحلو لبعض العسكريين والسياسيين العرب وصف صدام بأنه بارع في التكتيك فاشل في الاستراتيجيا ويكاد يميل كثيرون إلى الاعتراف بذكاء الطاغية وصواب قراراته ولولا بعض الحياء، لرفعوه إلى مرتبة القداسة، ففيهم ميل بديهي إلى الطغيان وضعف بنيوي تجاه الذل والإذلال.
في سلوك صدام حسين ما يحير فعلاً وما يفسح المجال أمام المخيلة للتحليق. لم يكن مضطراً لاحتلال الكويت ولا إلى تشريد أهلها لكنه فعل، ولم يكن مضطراً لإغراق الخليج في الديون لكنه لم يتردد. ولم يكن مضطراً للتسبب بدمار العراق وجيش العراق وإفقار شعبه لكن جفنه لم يرف. وفوق ذلك أعلن أنه انتصر في «أم المعارك». فلو ملنا إلى نظرية المؤامرة لقلنا إن أميركا استفادت من الحرب وخدمت حليفتها إسرائيل بتدمير أهم جيش عربي وأخطر مشروع لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، ولقلنا إن أميركا جنت قواعد في الخليج ووجوداً ثابتاً، عند منابع النفط وعقود تسلح وباتت عيناً ساهرة ترقب إيران وتحتوي شهيتها المفتوحة على المنطقة. لكن لو رجحنا العقلانية والمنطق على نظرية المؤامرة لرأينا غير ذلك.
وليس سهلاً دحض نظرية المؤامرة في سلوك صدام إذ كيف يتحول بلد نفطي غني بالموارد البشرية والطبيعية إلى بلد فقير محاصر؟ وكيف تتخذ القرارات الخطأ في الوقت الخطأ؟ وللتذكير فإن العراق حين كان في ثرائه في الثمانينات شن حرباً على إيران فتضامنت معه دول الخليج وتضامنت معه أكثرية العرب ودفعت من مداخيلها وثروات أبنائها من دون حساب. وحين بدأ يسترد العافية هدد إسرائيل بالكيماوي المزدوج ثم احتل الكويت. وفي أكتوبر 4991 كان البحث حينها في رفع جزئي للعقوبات فحشد قواته على حدود الكويت وأمس كان اتفاق النفط مقابل الغذاء آخذاً طريقه إلى التنفيذ فدخل صدام كردستان وأخذ يتحدى الطائرات أو على الأقل يصدر بيانات كاذبة عن إطلاق صواريخ عليها.
في الحقيقة لا رابط منطقياً يربط كل ما قام به صدام. ولا تقوم نظرية المؤامرة حين تفتقد إلى التماسك وترتد ضرراً على النفس وعلى من يعتقد أنه يخدمهم. فالأقرب إلى الصواب أن صدام ديكتاتور مغامر، فردي مستبد، يعاني جنون العظمة ويضرب خبط عشواء. تارة يصيب غيره وأكثر الأحيان يصيب نفسه. وهو في هذا المنحى أداته القوة والبطش والعصبية، ووسيلته التخلص من معارضيه والتخفف من المجموعات التي تضغط على نظامه غير آبه بوحدة العراق ولا بأهل العراق.
والأكيد هو أن همّ صدام الحقيقي والوحيد البقاء في الحكم والمحافظة على النظام. لذا فإنه يغلق الباب في وجه أي انفتاح لأن فيه مطالبة بدم من أودى بهم، وفتح حساب ما تم من الارتكابات. فأقصر الطرق إلى البقاء إبقاء شعب العراق في حالة الحصار والذل والانكسار، وإلغاء أي أمل له في التغيير وإطاحة النظام. ولأن واقع العراق هو كذلك مع صدام فإن الأميركيين يتعاملون مع الواقع. فإذا كانت إطاحة النظام مستحيلة، فإن استخدام النظام ممكن، تارة عبر الاستفزاز، وطوراً عبر التوريط، وأحياناً بتلقف الخطوات المجنونة، ودائماً من أجل تحقيق المصالح الأميركية، وهي كبيرة ومتشعبة تبدأ من الخليج وحماية دوله من المغامرات ولا تنتهي في حملة الانتخابات الرئاسية.
الرأي العام