حقائق في مواجهة «الحقائق»!

تصغير
تكبير
الكويت في موقعها السياسي، والجغرافي، على صلة وثيقة بكل ما يجري في العالم العربي، ولذلك لابد من وعي ظروف اللحظة السياسية الراهنة، والتعاطي معها بأقصى درجات المسؤولية الوطنية. وتقرير، بحجم تقرير لجنة «تقصي الحقائق» حول الغزو العراقي الغاشم، لا يمكن أن يوضع في التداول في مثل هذه اللحظة السياسية ولا سيما، أن الساحة التي سيناقش فيها ليست هي المثلى، في هذه المرحلة الدقيقة لا في شكل علني، ولا سري، حيث ان النزعة الانتخابية لن تمنع البعض من فتح دهاليز المهاترات، وتسريب المناقشات الى خارج أروقة المجلس لتحقيق بعض النقاط في السباق الانتخابي، ولو على حساب القضايا الوطنية. كما ان التجارب التاريخية، لعدد كبير من الدول، في مثل هذه الظروف، أثبتت ان ثمة أساليب معينة تتبع في هذا السياق، ويتم من خلالها تمرير مناقشات، هذه التقارير، بكل هدوء، ومن دون أية اهتزازات سياسية للأوضاع العامة داخلها، والكويت في هذه اللحظة السياسية الاقليمية والدولية الحرجة، يجب أن تبقى بعيدة عن كل خلاف، أو اهتزاز سياسي، يؤثر بشكل أو آخر، في حركتها الاقليمية، والدولية، ويبعدها عن الانشغال في القضايا المصيرية، خصوصاً ان أحلافاً كثيرة بدأت تتركب في منطقة الشرق الأوسط، وهي لا بد ستثير العديد من الأفعال، وردود الأفعال، والتي من الحتمي أن تتأثر بها منطقة الخليج، والكويت واحدة من الركائز الأساسية في هذه المنطقة. وهي أحلاف ربما تؤدي إلى قلب المعادلات كافة. ولذلك فإن تشديد سمو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله، في اجتماعه مع رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون، قبل أيام قليلة، على حضور جلسة، مناقشة تقرير لجنة تقصي الحقائق، المزمع عقدها في الاسبوع المقبل، واستعداده للرد على كل ما يثار، يأتي من خلال حرص سموه على وضع نقاط الحقائق فوق حروف المسؤولية الوطنية، إلاَّ أن ذلك لا يمكن في هذه اللحظة، أن يمر من دون أية متاهات، ستفتح أبوابها أمام الحكومة في تلك الجلسة، أكانت سرية أم علنية، لأن النتائج التي تحصلت خلال السنوات الأربع الفائتة، من أسلوب طرح القضايا، ومناقشتها داخل مجلس الأمة، أثبتت ان ثمة انفعالات تتحكم في اللغة الخطابية لبعض النواب، لا يمكن لها، وفي لحظة انفعالها وقتذاك، أن تتبصر الخيوط الرمادية الفاصلة بين بياض المصلحة الوطنية العليا، وسواد الحمى الانتخابية الراهنة. لذلك تأتي مناشدة الحكومة، لسمو ولي العهد في عدم حضور هذه الجلسات، في محلها، وهي تنسجم مع توجه تيار شعبي عريض في البلاد، يطالب الشيخ سعد بعدم حضور جلسات المناقشة تلك، لا سيما وان ما تبقى من دور الانعقاد الراهن للمجلس، ما يقرب من الخمسين يوماً، وهي فترة قصيرة جداً، للتعاطي مع هذا النوع من القضايا الوطنية الكبرى، إضافة الى انها العمر الفعلي المتبقي للمجلس، لأن الفترة الفاصلة، بين نهاية دور الانعقاد الراهن، وموعد الانتخابات النيابية، ستكون فترة تفرغ النواب لخوض معاركهم الانتخابية، ولن يعدم أي مرشح وسيلة للتأثير على الناخبين في سبيل الوصول الى كرسي النيابة. ومما لا شك فيه، ان ما ينطوي عليه التقرير من حقائق خطيرة جداً، لا تقبل في أي شكل من الأشكال، «نشر الغسيل» على حبال المهاترات الاعلامية والانتخابية، في مرحلة تتسارع فيها الأحداث في العالم العربي، بشكل من الغليان، وتقترب المنطقة من محيطها الى خليجها من حافة الحرب، بعد التغيرات الجذرية التي طرأت أخيراً على مفاوضات السلام العربي ـ الاسرائيلي، وانعكاس ذلك على المستويات الاقليمية كافة. فالتهديد العراقي ما زال يعس تحت رماد الأزمة، ولا تزال الملفات الساخنة مفتوحة على أعلى درجات فورانها، وبالتالي، لا يمكن استقدام أية مشكلة سياسية داخلية، تؤدي الى إضعاف الموقف الكويتي، تلبية لرغبات شخصية، أو انتخابية، لا يمكن لها أن تجعل من مثل هذه القضية الشائكة ـ تقرير لجنة التقصي ـ قضية استخلاص العبر، ووضع الأساليب الناجعة لدرء الخطر في المستقبل، فالوقت والظروف المناسبة لذلك لم تحن بعد، والأمكنة الفضلى لهذا النوع من المناقشات يعرفها الجميع. فلذلك لا بد من تمرير هذه المرحلة بكل هدوء، وتكاتف وطني والوصول بالبلاد الى بر الأمان.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي