نظام صدام بين القراءة والأميّة

تصغير
تكبير
بين أكبر مآسي النظام العراقي أنه لا يجيد القراءة. فلا هو يستفيد من تجارب الماضي ولا يفهم معطيات الحاضر ولا يستطيع استخلاص العبر لاستشراف المستقبل. هكذا دأبت إذاعة بغداد منذ بضعة أيام على مهاجمة الحكومة الكويتية والمسؤولين الكويتيين مدّعية أن الشعب الكويتي رافض لحكامه فاقد لشعور الولاء لهم. وإذا دل هذا الهجوم على شيء، فإنما يدل على قصور في مستوى الفهم للوضع السياسي الكويــتي، وعلى أن القــيادة العراقية لم تعد تميز بيـــن الأنظمة الديكتاتورية التي تعدم المعارضين وتقمع المعترضين، وبين الأنظمة التي تعــــيـــش منــاخ حرية وديموقراطية وتسمح بالرأي المختلف والاعتقاد المختلف. لا يثير الدهشة أن خصوصية العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الكويت باتت معروفة من العالم أجمع باستثناء نظام بغداد. فهو في مناسبة ذكرى التحرير، وهي ذكرى الهزيمة العراقية الكبرى في «أم المعارك»، لم يستوعب أن الكويت تحررت بفضل وقوف شعبها صفاً واحداً خلف القيادة الشرعية، ولم يتذكر أنه لم يجد كويتياً واحداً يتعاون معه أو يتعاطف مع دعواته «القومية» رغم نير الاحتلال وتشرد الشعب وسلطة الحديد والنار. يجهل صدام أن تجربة الغزو على مرارتها وقساوتها أغنت تجربة الكويتيين. فما عادوا يخدعون بالشعارات، مثلما خدعوا ابان حربه مع إيران، ولا عادوا يتوهمون أن وحدة الأمة ممكنة في ظل أنظمة التعسف والقهر والاستبداد. وبات الكويتيون المتوحدون في الخيارات الصعبة مع قيادتهم يفرّقون بين نظام العراق وشعب العراق، وبين قيادة الفلسطينيين والشعب الفلسطيني، وبين شعوب أخرى وحكامها. فلماذا يكرر المحاولة؟ ليس غريباً ألا يفهم نظام صدام أن الشعب الذي قدم الدم والمال فداء لوطنه بلغ سن الرشد، فلم تعد تستهويه الشعارات ولا تغويه خرافات ولا تغّير في قناعاته رسالة إذاعية تبثها إذاعة الطغاة، أو تصريح يردده العملاء والخبثاء، أو تهريج يجعل من الناس ومستقبلهم أدوات لمسرحه العبثي. والمسألة أولاً وآخراً مسألة قراءة وفهم، إذا لم تكن مأساة أمية مطلقة تستعصي معها القراءة، وتمتنع هي على الفهم. رئيس التحرير
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي