الحرب على أرض الكويت

تصغير
تكبير
ما حصل في الأيام الماضية في الكويت لا يبشر بخير بل لا يبشر إلا بشر مستطير. عادت الى الساحة مفردات الحقد الطائفي الاسود ترافقها عبارات النحر والقتل والثأر لاستدراج عبارات مماثلة... فأفعال مماثلة.

نتحدث مباشرة في صلب الموضوع. سورية وما يحدث في سورية. نبدأ بتشخيص عقلاني إن كان ما زال للعقل مكان.

في تونس ومصر وليبيا واليمن حصل التغيير بسرعة. مجتمعات بعض هذه الدول عانت ربما من انقسامات عشائرية وقبلية إنما ليست مذهبية وطائفية، إضافة الى ان الجيش في ثلاث منها وقف مع التغيير لا ضده أما في ليبيا فالجيش كان عبارة عن كتائب لحماية النظام ما استدعى تدخل الناتو لمنع المجازر. وقبل ذلك كله وبعده لم تكن هذه الدول اعضاء في محاور اقليمية ضخمة تدافع عنها ولم تفتح ساحاتها لـ«مجاهدين» أجانب دفاعاً عن الثورة أو عن النظام، اضافة الى أن الغرب وعلى رأسه اميركا ضغط بقوة للتغيير حتى ان البيت الابيض قال للرئيس مبارك: «عليك ان تتنحى اليوم... واليوم تعني أمس».

الوضع في سورية غير. فهي جزء من محور اقليمي يقول عنه مسؤولون ايرانيون انه يمتد من حدود الصين الى غزة (قبل ان تخرج حماس من هذه المعادلة). وهذا المحور يستميت لاجل ألا ينقطع «الهلال» في سورية ويحرمه من موطئ قدم على المتوسط.

هو محور سياسي أكثر منه مذهبي فأي كيان حتى ولو كان مسيحيا لا سنيا فحسب يمكن ان يكون عضواً فاعلاً فيه ان تبنى مواقفه، وهو محور يلعب بكل الاوراق بما فيها المذهبية والقومية والفئوية حين يستشعر خطرا داهما عليه. المهم استمراره في بناء قوته حتى المستوى النووي واستمرار تثبيت دوره لاعبا رئيسيا في المنطقة تمهيداً ليكون لاعبا وحيدا... هذا الموضوع ليس سرا ولا يخفيه قياديو هذا المحور انفسهم الذين يلتفون بعصبية مخيفة حول بعضهم عندما يعتقدون ان وجود احدهم بات مهددا، ألم يطلب نوري المالكي من الامم المتحدة ادراج نظام بشار الاسد تحت عقوبات الفصل السابع بتهمة دعم الارهاب في العراق استنادا الى وثائق دامغة يملكها؟ واليس المالكي اليوم احد الداعمين الاساسيين للرئيس السوري والمدافعين عن بقاء نظامه؟

سورية غير. فهي على حدود اسرائيل التي يبني الغرب كل استراتيجيته في المنطقة على اساس مصالحها، وهي خليط طائفي متنوع كان ممسوكا بقبضة امنية. فيها اقلية تحكم وتتحكم بمفاصل الدولة، وليس سرا ان الجيش السوري تركب تاريخيا ليكون جيش الدفاع عن النظام بأجهزته الامنية وتركيبتها المعروفة.

والاهم من ذلك كله ان اميركا لم تتخذ قرارا بـ«التغيير في سورية» بل اتخذت قرارا بـ«تغيير سورية» عبر استخدامها واستغلالها وتصفية ملفات كثيرة على ارضها واطالة امد الازمة فيها واستنزاف المحور الاقليمي التي هي جزء منه واراحة اسرائيل.

النظام السوري الذي يدافع عن بقائه نجح في استدراج التطرف كي ينقل الثورة من شعب يطلب الحرية والخبز الى مخطط ارهابي متطرف يريد اقامة «دولة الخلافة وذبح الاقليات». استقطبت سورية آلاف المقاتلين من كل دول العالم، وبما ان المعارضة السورية تفتقر الى الحدود الدنيا من قيم الالتفاف والحراك السياسي نتيجة تغييبها لاكثر من 50 عاما فهي عجزت عن مواكبة الشارع وانشغلت بانقساماتها... فيما الجيش الحر ينتظر الامداد لتوقيف كتائب النظام راهنا وكتائب «القاعدة» مستقبلا.

وفق هذه الخريطة وهذه هي المعطيات، دخل «حزب الله» الحرب في سورية منذ يومها الاول، وليس اخيرا في القصير. لم يدخل لا لحماية المقدسات كما قالوا ولا لمواجهة التكفيريين. دخل كونه جزءا متحركا وفاعلا في هذا المحور الاقليمي وهو لا يخجل من الجهر بذلك. ولذلك فالخطأ كل الخطأ اعتبار التدخل حراكا مذهبيا فقط لانه تدخل سياسي وان اعطي، أو اعطاه اهله، ما شاؤوا من أغطية مذهبية.

باختصار، تدخل المقاتلين العرب اساء الى الثورة السورية لانه طيفها ومذهبها وحرّفها عن اهدافها وخدم النظام وجعل الاقليات في الشرق وبعض القوى العالمية تتعاطف معه، وتدخل «حزب الله» أساء الى قضية المقاومة ضد اسرائيل لانه طيفها ومذهبها وحرفها عن اهدافها... فعندما تتوه البنادق يصعب استرجاعها.

نعود الى الكويت بعد هذه الجولة.

سمعنا كلاما من اغبياء ونافخي كير ومتخلفين ومتطرفين لاستدراج الفتنة الى بلدنا. بعضهم يريد ان يقتل وبعضهم يريد ان ينحر. بعضهم يبرر تدخل مقاتلين كويتيين وخليجيين وعرب واجانب ويعتبره جهادا بينما يعتبر تدخل «حزب الله» ارهابا. بعضهم يعتبر تدخل «حزب الله» جهادا وتدخل هؤلاء ارهابا، فيما يروج كثيرون لشرائط فيديو مذهبية بهدف التحريض على الشيعة كطائفة لا على الحزب كتنظيم سياسي أو بهدف التحريض على السنة كطائفة لا على «النصرة» كتنظيم سياسي.

اذا كنتم تريدون ان تنقلوا الفتنة الى الكويت فارحلوا عنها جزاكم الله كل خير. لا تصرخوا في الندوات والدواوين والساحات وتشعلوا وسائط التواصل الاجتماعي بكل انواع التعصب والفتن بحثاً عن مكسب انتخابي لان النار ستطول دشاديشكم قبل ان تطول الكرسي الذي تستميتون في الوصول إليه.

من يردْ ان يدافع بالرأي عن «مجاهدي حزب الله» أو «مجاهدي النصرة» فليفعل برقي، ومن يردْ ان يدافع بالفعل والتخريب والتوتر فليذهب وينخرط في صفوفهما ويحارب في سورية وغير سورية. لا نريده ان يحارب في الكويت أو ان يؤسس لحرب في الكويت.

العقلاء الذين نريد أن نسمع أصواتهم هم اولئك الذين ينحازون الى الشعب السوري لكنهم يرفضون اي تدخل لمقاتلين اجانب في سورية من أي طرف.

العقلاء هم الذين يحاربون التطرف بالاعتدال والانقسام بالوحدة والتفرقة بالالتفاف أكثر حول مجتمعنا وبلدنا.

افهموا ان المسألة سياسية وليست طائفية وان العالم يستنزفنا ويلعب بنا ويتندر علينا ويتسلى بعجزنا ويحتقر جهلنا.

ليبق الجهل في جحوركم المظلمة وعقولكم الاظلم ولا تكونوا عود ثقاب في يد متآمر.

ارجعوا الى مواقفكم فقد كنتم تمجدون هذا وتهاجمون ذاك، ثم تغير الخطاب بتغير خريطة الناخبين والمصالح فمن مجدتموه صار موضع هجوم ومن هاجمتموه صار موضع تمجيد.

كلمة أخيرة الى الحكومة. لا تعتقدي أن وقوفك هذه المرة متفرجة على ما يحصل استمرارا لنهج سابق باشغال الناس ببعضها يحميك من التغيير ويعفيك من المسؤولية أو المساءلة. هذه نار يشعلها متحمسون ومتخلفون وقاصرون. هذه نار لا علاقة لها بتغيير نظام انتخابي أو إحراق مشاريع للمعارضة والموالاة بل بتغيير أنظمة سياسية وإحراق دول بأسرها... اما أن تتدخل الحكومة اليوم مع كل القوى الوطنية الحريصة على بقاء البلد كي لا نصبح في الحد الادنى لبنان آخر أو عراق آخر، واما ان تحل «الغزوات» محل المؤسسات وتتحول الكويت الى مجموعة «مقدسات» تتبارى الطوائف والمذاهب في القتال دفاعاً عنها.





جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي