... ويسألونك عن المصالحة


يتحدث كثيرون في الكويت عن «المصالحة». يتوسط كثيرون من أجل «المصالحة». يتفاءل كثيرون بـ «المصالحة». يختزل كثيرون الوضع الذي نعيشه بغياب «المصالحة».
... والمفارقة أن أقل الأطراف حديثا عن هذا الموضوع هي الأطراف المعنية به مباشرة، وهي في الحقيقة لم تعد واضحة الهوية والمعالم ولم تبذل جهداً لبناء قاعدة صلبة من التفاهمات تحدد الأهداف بدقة وترسم خريطة الطريق إلى تحقيقها.
مصطلح «الاحتكام» هو الأصح بالنسبة للحراك السياسي الذي نعيشه وتعيشه الدول المماثلة لنا في التجربة. فاليوم هناك اختلاف حول موضوع معين يحل بالاحتكام إلى الدستور والقوانين وفي إطار المؤسسات، وغداً قد نشهد اختلافا آخر، وبعد غد كذلك. لذا فإن الأمور أكثر عمقا في الواقع من «مصالحة» قد تحدث كل يوم في المستقبل أو قد يدعى إليها عند كل أزمة أو اختلاف.
ولكن بما أن الكلام هو عن «مصالحة» فليكن...
بادئ ذي بدء، يجب أن نميز بين مكانة الأطراف المعترضة، وهي مكانة كبيرة ومميزة ومحترمة، وبين مقام صاحب السمو الأمير وذاته المصانة بالدستور. فحتى الأكثر تطرفا في صفوف المعارضة يقر بأن الأمير هو فوق الصراعات وانه والد وقائد وانه رمز للوطن والسيادة وعباءته تحتضن الجميع.
بعد هذا التمييز، يمكن ان تتسع ساحات الحوار والنقاش والتصالح لجميع المسؤولين في مختلف السلطات إضافة إلى المعارضة والتيارات الشبابية. ساحات مفتوحة الآفاق على التوافق. نيات صادقة. عقول مرنة وقلوب خالية من الاحقاد، فالسياسة ليست فن الممكن فحسب بل هي جسر لتحقيق مصالح الأمة... وهذه المصالح ليس كما تراها الحكومة أو المجلس أو المعارضة أو الشباب بل بما يتحقق بحدود التوافق بين مختلف مكونات المجتمع الكويتي.
لا بد من نقطة التقاء وإن طال الزمن، وإلا فنحن في دولة أخرى غير الكويت، ونقطة الالتقاء هذه لا بد لها من مشروع تغييري تطويري ينفض الغبار عن العقلية السياسية السابقة التي أدارت بها الحكومات والمجالس الدولة، لمصلحة عقلية جديدة يشارك فيها الشباب وتكون رقابة الرأي العام هي ضمانتها الاساسية.
هذا من حيث المبدأ وباختصار شديد، اما من حيث التنفيذ وآلياته فالمقدمات التي نراها اليوم لا تبشر بالخير. المصالحة في المبدأ لا تحتاج إلى وسطاء. هي ليست صفقة سياسية يتراكض كثيرون لجني ثمارها قبل ان تحصل، وهي ليست وسيلة للتلميع والتكسب من قبل البعض أو فرصة لـ«تطهير» التواريخ من حبرها الأسود... وهنا اسمحوا لي بشيء من الصراحة.
بعض الصغار السفهاء، وأكثرهم ضررا من داخل الأسرة للأسف الشديد، الذين لا يتورعون عن حرق أي شيء من أجل مصالحهم الضيقة وشهواتهم إلى السلطة ولتغطية مخالفاتهم وتجاوزاتهم الكبيرة، كانوا يصورون للقيادة السياسية أنهم الأكثر قربا من نبض الشارع وأنهم يعرفون أن الشارع سيغضب بسبب سياسات معينة، بل كانوا «يضربون في الرمل» ويتوقعون كلمة هذا الناشط السياسي أو ذاك من انصارهم قبل ان تلقى للدلالة على معرفتهم بالأرض والناس. وما ان تعلن المواقف الحادة حتى يبدأوا الترويج بأنهم الأقدر على احتواء الوضع وتهدئة غضب الشارع من خلال «مصالحة» عامة تؤدي في ما تؤدي اليه إلى ابعاد هذا المسؤول واحضار آخر مكانه وترقية هذا المسؤول وتقريب هذا المسؤول اضافة بالطبع إلى الكلفة المالية الضرورية لمواكبة هذا الجهد الكبير المتمثل في «المصالحة»... فشهوة السلطة للاسف الشديد عند البعض تجر معها شهوة المال.
طبعا يصطدم هؤلاء بأن في المعارضة غالبية مبدئية، وان قلة فقط ارتضت ان تلعب دور الرصاص في بنادق الآخرين هي من «يمون» عليها الصغار السفهاء. تستمر المحاولات عن طريق وجوه اخرى للتوسط من اجل «المصالحة»، وهذه الوجوه بعضها يحظى بالاحترام وبعضها يبحث عن حل وبعضها يبحث عن دور وبعضها تسكنه الاحقاد والنرجسية. تبدأ الطروحات الغريبة العجيبة وهي اقرب إلى الافخاخ منها إلى المصالحة. طروحات ان قبلت ففيها إدانة وانتهاك لمفهوم الدستور والقانون والمؤسسات، وان رفضت تحمل الاطراف كلها مسؤولية استمرار التأزيم.
وبغض النظر عن سفاهة الصغار وهم صاروا مكشوفين ليس لدى القيادة السياسية فحسب بل لدى كل كويتي، فان «المصالحة» تحتاج مناخا تصالحيا. مناخ له ثقافته ومفرداته وتفاهماته. فلغة المهرجانات والتجمعات ليست لغة التظاهرات، ولغة التظاهرات ليست لغة الندوات، ولغة الندوات ليست لغة المؤتمرات الصحافية، واللغة الاخيرة ليست لغة اللقاءات والاجتماعات الخاصة. لا يمكن ان نسعى إلى التوافق ونحن نطلق النار (وهذا الكلام ينطبق على الحكومة كما على المعارضة)، ولا يمكن حتى ونحن نرفع سقف المطالب في اطار المناورات السياسية الجائزة ان نهبط باللغة ضد رموز وشخصيات إلى المستوى الذي رأيناه (وهذا الكلام ينطبق على بعض من في المجلس الماضي وبعض من في المجلس الحالي وتحديدا اولئك السخفاء الذين تشفوا بأحكام صدرت على نواب سابقين) ولا يمكن حتى ونحن نحشد كل أوراقنا وأسلحتنا للتعبئة ان نتجاوز القاعدة الذهبية: «الاحتكام إلى الدستور والقانون في اطار المؤسسات»، فهذا التجاوز سيشجع الجميع على التمادي ولن يسلم منه لا الوزير ولا النائب ولا المعارض.
عود على بدء، فرغم ايماني بان «الاحتكام» مصطلح اصح من «المصالحة»، إلا أن التصالح لا يحتاج إلى وسطاء بل إلى ابعاد منظومة المستفيدين والسماسرة والنافخين في الكير والحاقدين، ويحتاج توافقا على التطوير والتحديث في اطار الدستور، ويحتاج مناخا مختلفا عما نعيشه اليوم، ويحتاج حواراً مباشراً لتحديد الاهداف، ويحتاج عقولاً مرنة وقلوباً مفتوحة ونيات صادقة لتحقيق مصالح الأمة... كل الأمة.
جاسم بودي
... والمفارقة أن أقل الأطراف حديثا عن هذا الموضوع هي الأطراف المعنية به مباشرة، وهي في الحقيقة لم تعد واضحة الهوية والمعالم ولم تبذل جهداً لبناء قاعدة صلبة من التفاهمات تحدد الأهداف بدقة وترسم خريطة الطريق إلى تحقيقها.
مصطلح «الاحتكام» هو الأصح بالنسبة للحراك السياسي الذي نعيشه وتعيشه الدول المماثلة لنا في التجربة. فاليوم هناك اختلاف حول موضوع معين يحل بالاحتكام إلى الدستور والقوانين وفي إطار المؤسسات، وغداً قد نشهد اختلافا آخر، وبعد غد كذلك. لذا فإن الأمور أكثر عمقا في الواقع من «مصالحة» قد تحدث كل يوم في المستقبل أو قد يدعى إليها عند كل أزمة أو اختلاف.
ولكن بما أن الكلام هو عن «مصالحة» فليكن...
بادئ ذي بدء، يجب أن نميز بين مكانة الأطراف المعترضة، وهي مكانة كبيرة ومميزة ومحترمة، وبين مقام صاحب السمو الأمير وذاته المصانة بالدستور. فحتى الأكثر تطرفا في صفوف المعارضة يقر بأن الأمير هو فوق الصراعات وانه والد وقائد وانه رمز للوطن والسيادة وعباءته تحتضن الجميع.
بعد هذا التمييز، يمكن ان تتسع ساحات الحوار والنقاش والتصالح لجميع المسؤولين في مختلف السلطات إضافة إلى المعارضة والتيارات الشبابية. ساحات مفتوحة الآفاق على التوافق. نيات صادقة. عقول مرنة وقلوب خالية من الاحقاد، فالسياسة ليست فن الممكن فحسب بل هي جسر لتحقيق مصالح الأمة... وهذه المصالح ليس كما تراها الحكومة أو المجلس أو المعارضة أو الشباب بل بما يتحقق بحدود التوافق بين مختلف مكونات المجتمع الكويتي.
لا بد من نقطة التقاء وإن طال الزمن، وإلا فنحن في دولة أخرى غير الكويت، ونقطة الالتقاء هذه لا بد لها من مشروع تغييري تطويري ينفض الغبار عن العقلية السياسية السابقة التي أدارت بها الحكومات والمجالس الدولة، لمصلحة عقلية جديدة يشارك فيها الشباب وتكون رقابة الرأي العام هي ضمانتها الاساسية.
هذا من حيث المبدأ وباختصار شديد، اما من حيث التنفيذ وآلياته فالمقدمات التي نراها اليوم لا تبشر بالخير. المصالحة في المبدأ لا تحتاج إلى وسطاء. هي ليست صفقة سياسية يتراكض كثيرون لجني ثمارها قبل ان تحصل، وهي ليست وسيلة للتلميع والتكسب من قبل البعض أو فرصة لـ«تطهير» التواريخ من حبرها الأسود... وهنا اسمحوا لي بشيء من الصراحة.
بعض الصغار السفهاء، وأكثرهم ضررا من داخل الأسرة للأسف الشديد، الذين لا يتورعون عن حرق أي شيء من أجل مصالحهم الضيقة وشهواتهم إلى السلطة ولتغطية مخالفاتهم وتجاوزاتهم الكبيرة، كانوا يصورون للقيادة السياسية أنهم الأكثر قربا من نبض الشارع وأنهم يعرفون أن الشارع سيغضب بسبب سياسات معينة، بل كانوا «يضربون في الرمل» ويتوقعون كلمة هذا الناشط السياسي أو ذاك من انصارهم قبل ان تلقى للدلالة على معرفتهم بالأرض والناس. وما ان تعلن المواقف الحادة حتى يبدأوا الترويج بأنهم الأقدر على احتواء الوضع وتهدئة غضب الشارع من خلال «مصالحة» عامة تؤدي في ما تؤدي اليه إلى ابعاد هذا المسؤول واحضار آخر مكانه وترقية هذا المسؤول وتقريب هذا المسؤول اضافة بالطبع إلى الكلفة المالية الضرورية لمواكبة هذا الجهد الكبير المتمثل في «المصالحة»... فشهوة السلطة للاسف الشديد عند البعض تجر معها شهوة المال.
طبعا يصطدم هؤلاء بأن في المعارضة غالبية مبدئية، وان قلة فقط ارتضت ان تلعب دور الرصاص في بنادق الآخرين هي من «يمون» عليها الصغار السفهاء. تستمر المحاولات عن طريق وجوه اخرى للتوسط من اجل «المصالحة»، وهذه الوجوه بعضها يحظى بالاحترام وبعضها يبحث عن حل وبعضها يبحث عن دور وبعضها تسكنه الاحقاد والنرجسية. تبدأ الطروحات الغريبة العجيبة وهي اقرب إلى الافخاخ منها إلى المصالحة. طروحات ان قبلت ففيها إدانة وانتهاك لمفهوم الدستور والقانون والمؤسسات، وان رفضت تحمل الاطراف كلها مسؤولية استمرار التأزيم.
وبغض النظر عن سفاهة الصغار وهم صاروا مكشوفين ليس لدى القيادة السياسية فحسب بل لدى كل كويتي، فان «المصالحة» تحتاج مناخا تصالحيا. مناخ له ثقافته ومفرداته وتفاهماته. فلغة المهرجانات والتجمعات ليست لغة التظاهرات، ولغة التظاهرات ليست لغة الندوات، ولغة الندوات ليست لغة المؤتمرات الصحافية، واللغة الاخيرة ليست لغة اللقاءات والاجتماعات الخاصة. لا يمكن ان نسعى إلى التوافق ونحن نطلق النار (وهذا الكلام ينطبق على الحكومة كما على المعارضة)، ولا يمكن حتى ونحن نرفع سقف المطالب في اطار المناورات السياسية الجائزة ان نهبط باللغة ضد رموز وشخصيات إلى المستوى الذي رأيناه (وهذا الكلام ينطبق على بعض من في المجلس الماضي وبعض من في المجلس الحالي وتحديدا اولئك السخفاء الذين تشفوا بأحكام صدرت على نواب سابقين) ولا يمكن حتى ونحن نحشد كل أوراقنا وأسلحتنا للتعبئة ان نتجاوز القاعدة الذهبية: «الاحتكام إلى الدستور والقانون في اطار المؤسسات»، فهذا التجاوز سيشجع الجميع على التمادي ولن يسلم منه لا الوزير ولا النائب ولا المعارض.
عود على بدء، فرغم ايماني بان «الاحتكام» مصطلح اصح من «المصالحة»، إلا أن التصالح لا يحتاج إلى وسطاء بل إلى ابعاد منظومة المستفيدين والسماسرة والنافخين في الكير والحاقدين، ويحتاج توافقا على التطوير والتحديث في اطار الدستور، ويحتاج مناخا مختلفا عما نعيشه اليوم، ويحتاج حواراً مباشراً لتحديد الاهداف، ويحتاج عقولاً مرنة وقلوباً مفتوحة ونيات صادقة لتحقيق مصالح الأمة... كل الأمة.
جاسم بودي