الشباب وأميرهم... الكويت تتكلم


لن نقول إن «المؤتمر الوطني للشباب» كان مثالياً أو إنه غطى كل الهموم والهواجس الحالية والمستقبلية... لن نقول ذلك ولم يقل ذلك الشباب أنفسهم الذين واصلوا العمل ليل نهار للخروج بأولويات غير تقليدية تبعدهم عن منطق المجاملات او منطقة «تسجيل الحضور». هم أدركوا أن ما فعلوه كان البداية وأنهم الآن تحت مجهر الرقابة والآمال المعقودة عليهم لمتابعة تنفيذ ما اقر، خصوصا أن لا حواجز بينهم وبين القيادة التي رعت أعمالهم منذ البداية وأزالت كل الحواجز أمام حريتهم في التعبير والانتقاد.
لم يكن المؤتمر مثاليا، إنما التجربة بحد ذاتها كانت مثمرة ومنتجة ومتقدمة على تجارب اخرى. ويمكننا القول ان المؤتمر كان «حراكا» سياسيا بامتياز افرز مشاريع قيادات مستقبلية وحدد المهم من المسؤوليات وكشف الكثير الكثير من الثغرات... وهل يمكن لاحد أن يغض النظر عن جلسات الحوار المباشرة التي تمت مع الوزراء والقياديين؟ هل يمكن تجاهل السقف العالي من الجرأة والكلام المباشر والآراء الحرة التي طرحت أمام الوزراء وردود الوزراء المنفتحة، وخصوصا وزير الاعلام والشباب الشيخ سلمان الحمود، الخالية من مساحيق التجميل، والمعترفة بمكامن الخلل والرافضة في الوقت نفسه لجلد الذات.
وليسمح لي شباب المؤتمر والقراء ان اقف عند نموذج الجلسة الصحية، وكم تمنيت لو ان نائبا واحدا فقط قام بنصف الجهد الذي قام به الشباب للاحاطة بكل تفاصيل هذا الملف. جردة لكل القطاع بالارقام والاحصاءات والاراضي الموجودة وغير المستغلة والمباني وعدد الاسرّة، وحيث غابت الارقام قام الشباب انفسهم بعمل استبيان طرحوه على العامة عن رأي الناس بالخدمات الصحية الموجودة وكيفية تطويرها. ولم يكن الوزير محمد الهيفي الذي جلس تحت شعار «الكويت تسمع» أقل منهم جرأة في التشخيص. المرض الاساسي: «ثقافة التخوين». أما عوارضه فتبدأ بضيق الافق والتشكيك في النيات والتهجم الشخصي والتجريح بالآخرين واتهامهم بالسرقة. العلاج الذي اقترحه الوزير كان: «تغيير الثقافة العامة والتخلص من الأفكار السلبية كمنطلق للعمل والانتاج».
هنا، يأتي دور الشباب لتجديد شباب الكويت، فتغيير الثقافة العامة جزء من شخصيتهم الحيوية المتقدة القادرة على حمل راية التطوير. هم الذين عانوا الأمرين من حكومات همها استرضاء المجلس كي تبقى، ومن مجالس يحصر اعضاؤها المشاكل بأشخاص ومصالح فيطلقون النار عشوائيا عليهم ويعلنون الانتصار ان تغير وزير فيما غالبية الاعضاء تحمل ملفات الواسطات والمحسوبيات لا الملفات التي حملها الشباب في مؤتمرهم.
في سبتمبر 2011 كتبت افتتاحية بعنوان «حكومة ظل»، تمنيت فيها على الشباب والمتخصصين والأكاديميين ان يساهموا في تطوير الحياة العامة في الكويت على مختلف الصعد، كما تمنيت أن تجهز الملفات المتعلقة بالقطاعات ومشاكلها وثغراتها وايجابياتها والحلول لها بشكل منزه عن الاغراض السياسية او الشخصية او المنطلقات الطائفية والمناطقية وبعيدا من العلاقات «المريضة» بين المجلس والحكومة. وللحقيقة فان الجهد الذي بذله شباب المؤتمر في موضوع الملفات يرفع الرأس ويجعل الكثيرين يخجلون حقيقة من إضاعتهم لوقتهم ووقتنا ووقت الكويت.
«الكويت تسمع»؟ لا، كانت الكويت تتكلم في المؤتمر. أو كما قال الشيخ سلمان الحمود: «الكويت معك يا سمو الامير تسمع وتفعل». أما صاحب السمو الامير فكان «أمير الشباب». يسمع ويتفاعل ويتقبل كل الملاحظات بصدر رحب، وليس سرا انه قال لبعض الناشطين في ختام المؤتمر انه لم يتضايق نهائيا من السقف المرتفع لبعض الكلمات والملاحظات بل انه يشجع ويقدر ويثمن ذلك ما دام في اطار القيم والأعراف وحرية التعبير.
وهنا ايضا اسمحوا لي بنقطة نظام، فعندما طرح الاخ عبد الله بوفتين الناشط شبابيا وسياسيا واعلاميا قضية الحوار الوطني برعاية صاحب السمو، تعرض تماما لثقافة التخوين التي شخصها وزير الصحة بأنها من علل الكويت الاساسية. بعض جماعات السلطة هاجمته وكذلك الامر بعض جماعات المعارضة. لكننا نريد الكويت تحت شعار «الحوار سيد الاحكام». هذا هو المبدأ الذي يجب ألا تضيعه التفاصيل، والمبدأ يتسع لاستثناءات لكنه اكبر من الاشخاص والمصالح والمطالب الخاصة. أما المفارقة التي لا تحصل الا في الكويت فهي ان الشباب عادة هم الاكثر حماسة للوسائل الحركية الشعبية الاخرى لا للحوار، أما عندنا فالشباب يدعون الى الحوار وغيرهم من شياب ومخضرمين يرفعون الخيارات الاخرى اولوية على الحوار... بل يهاجمون من يدعو اليه.
يا شباب الكويت، لا تدعوا احدا يصادر جهدكم سواء من السلطة او من غيرها. لا تدعوا المشككين يهزون ايمانكم بما فعلتم وستفعلون. لا تنهزموا امام ثقافة التخوين بل اهزموها بالمزيد من الانفتاح على الآخرين وبالسير الى الامام شابكين اياديكم مع الجميع خصوصا اولئك الذين كانت لديهم ملاحظات على مؤتمركم... فالاقصاء ليس من شيم الكويتيين ومساحات الحوار تتسع للجميع.
عمموا الملفات التي أنجزتموها على جميع الكويتيين ليعرفوا ان «حكومة الظل» التي تساهمون في بلورتها وترسيخ قيمها اليوم جديرة بان تكون «حكومة الضوء» مستقبلا، وان الرجال الرجال الذين سخروا جهودهم وضمائرهم وطاقاتهم لتغيير الامر الواقع بالعلم والمعرفة جديرون بان يمثلوا الامة في مجالسها المقبلة خير تمثيل وان يكونوا قادة اداريين ناجحين في مختلف مجالات الحياة العامة.
لم يكن المؤتمر مثاليا. لكنه كان مدخلا للعبور إلى دولة متقدمة على جسر التفاؤل.
شباب الكويت... شكرا لكم.
جاسم بودي
لم يكن المؤتمر مثاليا، إنما التجربة بحد ذاتها كانت مثمرة ومنتجة ومتقدمة على تجارب اخرى. ويمكننا القول ان المؤتمر كان «حراكا» سياسيا بامتياز افرز مشاريع قيادات مستقبلية وحدد المهم من المسؤوليات وكشف الكثير الكثير من الثغرات... وهل يمكن لاحد أن يغض النظر عن جلسات الحوار المباشرة التي تمت مع الوزراء والقياديين؟ هل يمكن تجاهل السقف العالي من الجرأة والكلام المباشر والآراء الحرة التي طرحت أمام الوزراء وردود الوزراء المنفتحة، وخصوصا وزير الاعلام والشباب الشيخ سلمان الحمود، الخالية من مساحيق التجميل، والمعترفة بمكامن الخلل والرافضة في الوقت نفسه لجلد الذات.
وليسمح لي شباب المؤتمر والقراء ان اقف عند نموذج الجلسة الصحية، وكم تمنيت لو ان نائبا واحدا فقط قام بنصف الجهد الذي قام به الشباب للاحاطة بكل تفاصيل هذا الملف. جردة لكل القطاع بالارقام والاحصاءات والاراضي الموجودة وغير المستغلة والمباني وعدد الاسرّة، وحيث غابت الارقام قام الشباب انفسهم بعمل استبيان طرحوه على العامة عن رأي الناس بالخدمات الصحية الموجودة وكيفية تطويرها. ولم يكن الوزير محمد الهيفي الذي جلس تحت شعار «الكويت تسمع» أقل منهم جرأة في التشخيص. المرض الاساسي: «ثقافة التخوين». أما عوارضه فتبدأ بضيق الافق والتشكيك في النيات والتهجم الشخصي والتجريح بالآخرين واتهامهم بالسرقة. العلاج الذي اقترحه الوزير كان: «تغيير الثقافة العامة والتخلص من الأفكار السلبية كمنطلق للعمل والانتاج».
هنا، يأتي دور الشباب لتجديد شباب الكويت، فتغيير الثقافة العامة جزء من شخصيتهم الحيوية المتقدة القادرة على حمل راية التطوير. هم الذين عانوا الأمرين من حكومات همها استرضاء المجلس كي تبقى، ومن مجالس يحصر اعضاؤها المشاكل بأشخاص ومصالح فيطلقون النار عشوائيا عليهم ويعلنون الانتصار ان تغير وزير فيما غالبية الاعضاء تحمل ملفات الواسطات والمحسوبيات لا الملفات التي حملها الشباب في مؤتمرهم.
في سبتمبر 2011 كتبت افتتاحية بعنوان «حكومة ظل»، تمنيت فيها على الشباب والمتخصصين والأكاديميين ان يساهموا في تطوير الحياة العامة في الكويت على مختلف الصعد، كما تمنيت أن تجهز الملفات المتعلقة بالقطاعات ومشاكلها وثغراتها وايجابياتها والحلول لها بشكل منزه عن الاغراض السياسية او الشخصية او المنطلقات الطائفية والمناطقية وبعيدا من العلاقات «المريضة» بين المجلس والحكومة. وللحقيقة فان الجهد الذي بذله شباب المؤتمر في موضوع الملفات يرفع الرأس ويجعل الكثيرين يخجلون حقيقة من إضاعتهم لوقتهم ووقتنا ووقت الكويت.
«الكويت تسمع»؟ لا، كانت الكويت تتكلم في المؤتمر. أو كما قال الشيخ سلمان الحمود: «الكويت معك يا سمو الامير تسمع وتفعل». أما صاحب السمو الامير فكان «أمير الشباب». يسمع ويتفاعل ويتقبل كل الملاحظات بصدر رحب، وليس سرا انه قال لبعض الناشطين في ختام المؤتمر انه لم يتضايق نهائيا من السقف المرتفع لبعض الكلمات والملاحظات بل انه يشجع ويقدر ويثمن ذلك ما دام في اطار القيم والأعراف وحرية التعبير.
وهنا ايضا اسمحوا لي بنقطة نظام، فعندما طرح الاخ عبد الله بوفتين الناشط شبابيا وسياسيا واعلاميا قضية الحوار الوطني برعاية صاحب السمو، تعرض تماما لثقافة التخوين التي شخصها وزير الصحة بأنها من علل الكويت الاساسية. بعض جماعات السلطة هاجمته وكذلك الامر بعض جماعات المعارضة. لكننا نريد الكويت تحت شعار «الحوار سيد الاحكام». هذا هو المبدأ الذي يجب ألا تضيعه التفاصيل، والمبدأ يتسع لاستثناءات لكنه اكبر من الاشخاص والمصالح والمطالب الخاصة. أما المفارقة التي لا تحصل الا في الكويت فهي ان الشباب عادة هم الاكثر حماسة للوسائل الحركية الشعبية الاخرى لا للحوار، أما عندنا فالشباب يدعون الى الحوار وغيرهم من شياب ومخضرمين يرفعون الخيارات الاخرى اولوية على الحوار... بل يهاجمون من يدعو اليه.
يا شباب الكويت، لا تدعوا احدا يصادر جهدكم سواء من السلطة او من غيرها. لا تدعوا المشككين يهزون ايمانكم بما فعلتم وستفعلون. لا تنهزموا امام ثقافة التخوين بل اهزموها بالمزيد من الانفتاح على الآخرين وبالسير الى الامام شابكين اياديكم مع الجميع خصوصا اولئك الذين كانت لديهم ملاحظات على مؤتمركم... فالاقصاء ليس من شيم الكويتيين ومساحات الحوار تتسع للجميع.
عمموا الملفات التي أنجزتموها على جميع الكويتيين ليعرفوا ان «حكومة الظل» التي تساهمون في بلورتها وترسيخ قيمها اليوم جديرة بان تكون «حكومة الضوء» مستقبلا، وان الرجال الرجال الذين سخروا جهودهم وضمائرهم وطاقاتهم لتغيير الامر الواقع بالعلم والمعرفة جديرون بان يمثلوا الامة في مجالسها المقبلة خير تمثيل وان يكونوا قادة اداريين ناجحين في مختلف مجالات الحياة العامة.
لم يكن المؤتمر مثاليا. لكنه كان مدخلا للعبور إلى دولة متقدمة على جسر التفاؤل.
شباب الكويت... شكرا لكم.
جاسم بودي