كويتي وأفتخر

تصغير
تكبير
بعيداً من الجو السياسي والحراك والسجالات على تطوير النظام والدستور والديموقراطية والحكومة المنتخبة وإنشاء الأحزاب والدوائر الانتخابية وأداء السلطة والمعارضة... بعيداً من ذلك كله تطفو على السطح ظاهرة كويتية لا تتوقف عن الانتشار قائمة على جلد الذات وتصغيرها مقارنة بما حققته دول أخرى قريبة وبعيدة منا.

كنا السباقين، وهذا الامر لا يجادل به أحد. سباقون وغير متكبرين، بل أكثر يد امتدت لمساعدة الآخرين في كل المجالات كانت اليد الكويتية... وهذا الامر ايضا لا يجادل به أحد.

مددنا اليد ليس من باب الواجب فحسب بل من باب المصلحة وبعد النظر. أدركنا قبل غيرنا أننا لن نكون بخير اذا لم يكن جارنا بخير، وان ديموقراطيتنا ستعاني كثيرا ولن تتقدم ما دامت غائبة في مساحات الآخرين، وإن الدستور سيتلقى السهام تلو الاخرى ان لم يتسيد السلطات في الدول الأخرى، وإن الاقتصاد لن يستمر في الانتعاش ان لم تكن قيم الحريات والقوانين موجودة عند الآخرين والتسهيلات للقطاع الخاص متوافرة.

وأدركنا أن نظامنا العام بكل أبعاده لن يستقر إلا بقيام دولة مؤسسات عندنا وعند الاقربين منا، ودولة قانون وقضاء نزيه وادارة نظيفة ومبدأ الثواب والعقاب ومحاربة الفساد وقمع التجاوزات. فالتزام مبدأ فصل السلطات مع عنصري الرقابة والتشريع سنة حميدة يكفل انتشارها خارجيا المزيد من التحصين داخليا، أما سيادة القرار الفردي فهي تحقق ربما سرعة في التنفيذ لكنها قد تصطدم لاحقا بعواقب كثيرة.

وأدركنا أن التعليم لن يشكل رافعة للنهوض بالمستقبل إن لم تكن مناهج الآخرين حديثة متطورة مواكبة لكل التغيرات الدولية خالية من الكراهية والحقد والظلامية والتطرف.

وأدركنا أن المواطنة والمشاركة في السلطة وتحديد الحقوق والواجبات هي العناصر التي تحفظ الانتماء الحر القادم من رحم الهوية، وهي العناصر التي حمت الكويت وأبقتها في أصعب الظروف لان من كان الانتماء لديه قائما على الخوف من سلطة سينتفض عندما تضعف السلطة، أما من كان انتماؤه خيارا حرا ضمن نظام سياسي حر وديموقراطي ويسمح بالمشاركة فسيتمسك أكثر بهذا النظام عند التحديات الحقيقية. هذا ما حصل عند غزو الكويت وقبلها عندما احترق الخليج بالحرب الايرانية - العراقية... وعكس ذلك حصل لدى الانظمة الشمولية التي ما إن تعرض النظام أو الحاكم فيها لخطر خارجي حتى انتفضت غالبية الشعب ضده.

كل ما سبق وذكرته أبقى الكويت على الخريطة... حرفيا أكرر، أبقى الكويت على الخريطة. فالتحديات التي عاشتها وأهمها زلزال الغزو كانت كفيلة بشطب أي دولة من الوجود ان لم تكن القيم والعناصر السابقة تشكل ركائزها الحقيقية بغض النظر عن التأخر هنا أو التباطؤ هناك. ومن الطبيعي أن تتأخر دولة شهدت احتلالا فتحريرا فانغماسا في اعادة البناء بالتوازن مع هاجس أمني مستمر نتيجة التهديدات المباشرة التي استمرت 13 عاما بعد التحرير وهاجس حماية النسيج الوطني والاجتماعي والاقتصادي. عمليا، وحتى نكون منصفين، يمكن تحديد اعوام قليلة فقط كتاريخ لبدء دورة عجلة الدولة بكل طاقاتها. لا ننسى أن الصواريخ انهمرت علينا عام 2003 ولا ننسى أن الجحافل الاممية العسكرية التي حضرت وتدعمت لم تكن «سائحة» بل تحتاج منظومة تعاون لوجستية ومالية وأمنية معقدة وشائكة ومكلفة، ولا ننسى التحديات الداخلية السياسية التي ساهم عقدان ناريان في زيادتها.

في ظل هذا الوضع كان من الطبيعي أن تتقدم دول أخرى، ومن مصلحتنا أن تتقدم، ولا نتمنى لها إلا أن تتقدم. بعضها تقدم بالعمران فارتفعت ناطحات السحاب، وبعضها تقدم في الرياضة، وبعضها تقدم في حرية الصحافة والاعلام، وبعضها تقدم - وإن بنسب متفاوتة - في الحريات العامة والمجالس المنتخبة والمشاركة الشعبية، بعضها صار عنده دستور، وبعضها حقق معدلات تنموية عالية، وبعضها بدأ يسمح للمرأة بنيل حقوقها السياسية. في الوقت نفسه واجهت دول كثيرة قريبة من وبعيدة تحديات كبيرة ايضا. بعضها تحديات مالية، وأخرى أمنية، وثالثة شعبية، ورابعة خارجية...

لا علاقة لهذا العرض بكون الكويتيين متشائمين او متفائلين بالنسبة للازمة السياسية التي يعيشونها. هو يتعلق فقط بجزئية جلد الذات والمقارنة الدائمة السلبية مع الآخرين. لكن ما عندنا حقيقة هو حسبة مختلفة رغم كل ما نراه من ثغرات. التقدم لا يقاس بجانب واحد فقط، تماما كما الامتحانات الكبيرة. تجمع كل العلامات في مختلف الحقول للتوصل الى نتيجة... وهنا نتيجتنا ممتازة.

نعم، كويتي وأفتخر. افتخر بنظامي السياسي وبمشاركتي في السلطة. أفتخر لأنني ابن تاريخ مضيء لابد أن ينير لي دروب الخروج من أنفاق المرحلة.

كويتي وأفتخر. أفتخر بنجاحات أهلي وجيراني في الخليج، وأتمنى أن نحذو حذو تجاربهم التنموية الجيدة، وأن تتحرك قطاراتنا نحو المستقبل بسرعة تحرك قطاراتهم، وأن نحسن توظيف الفوائض المالية في مشاريع ضخمة كما يفعلون، وأن نقلدهم للخروج من الروتين القاتل والبيروقراطية المدمرة... كما أتمنى لهم المزيد من التطور في اتجاه الدستور والديموقراطية والحريات العامة والحريات الاعلامية، ومجالس الرقابة والمحاسبة وفصل السلطات ومشاركة المرأة والمجالس المنتخبة وتعميق المشاركة الشعبية في السلطة والثروة وترسيخ دولة المؤسسات على حساب دولة الافراد وتعميق مفهوم المواطنة، والانفتاح الثقافي والفكري والفني.

... خليجنا واحد، وسيصبح كذلك بالفعل لا بالاغنية ان حذونا دول الخليج في افضل ما عندها وحذت دول الخليج حذونا في أفضل ما عندنا.





جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي