التقية في الكويت!


من ظواهر صراع الجهالات الذي يحكم حاضرنا، استحضار مصطلحات مذهبية وإطلاقها من باب الإساءة، ومن هذه المصطلحات... التقية.
الروايات التاريخية لـ «التقية» متعددة ومتناقضة وموجهة. وتعريفاتها متعددة، إنما يمكن تبسيطها بالقول إنها إخفاء معتقد أو فكر أو إبطان موقف خشية تعرض صاحبه أو المجموعة المرتبطة به لضرر مادي أو معنوي، وتطور هذا التبسيط وتشعب عبر التاريخ يهوديا ومسيحيا، مرورا بظهور الدين الاسلامي واضطرار مؤمنين الى اخفاء معتقداتهم أو اشهار الكفر لفظاً وتحت الضغط، ثم في مرحلة الخلافة وما بعدها... وكان للشيعة (بمفهوم اليوم لهذا المصطلح اذ لم يكن هناك شيعة أو سنة سابقا) نصيب من التصاق مفهوم التقية بهم في العصرين الاموي والعباسي.
لن أخوض في قضية التقية تاريخيا ولا في أسبابها أو في الظروف التي دفعت الى ظهورها، فهي موضوع خلافي شائك ليس بين السنة والشيعة فحسب بل بين الشيعة والشيعة والسنة والسنة، والمراجع مليئة بالتناقضات بين من يجيزها لفترة ولو كانت على حساب الحق شرط ثبات الإيمان في القلب وبين من يعتبرها حراما ان اوجبت اخفاء الحق. بين من يعتبرها ضرورة لحماية فرد أو مجموعة ولو على حساب المصلحة العامة وبين من يعتبر المصلحة العامة أهم من حماية فرد أو مجموعة... واذا أردنا البحث والمتابعة فلن ننتهي، مع التنويه الدائم بان موضوع التقية لم يكن حكرا على مذهب أو مجموعة أو دين.
النقطة الأهم التي لا يريد أن يقترب منها أحد، وتحديدا اولئك الذين يعتبرون ان الحداثة والتحضر والعصرنة عوامل تهدد وجودهم وتجارتهم وبضاعتهم السيئة الصدئة التي يبيعونها، ان الظروف التي فرضت نشوء مصطلح التقية بالمفهوم الديني - المذهبي انتهت عمليا في عالم فضاؤه مفتوح تحكمه قوانين ودساتير وقيم مدنية وحريات ومواطنة، ويعيش ثورة إعلامية متجددة ومذهلة ويدفعك دفعاً الى اللحاق بركب السباق الى الامام دائما والا بقيت على هامش العلم والتكنولوجيا والصناعة والطب والاقتصاد والتنمية. ببساطة أكثر وصراحة أكبر، أيهما أهم اليوم: ان نعرف كيف سنتعامل وابناءنا مع الجيل الجديد من الشبكات التكنولوجية للاتصالات والمعلومات ونكيفها مع مؤسساتنا العلمية والصحية والتجارية والاقتصادية، أم سنمضي الوقت نحن وأولادنا في معرفة اسباب قول الصحابي ابن مسعود «ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلما به» أو هل كانت مبايعة سلمان الفارسي للخلفاء الراشدين بيده لا بقلبه؟
التقية انتهت بمفهومها السابق، لكننا نلاحظ اليوم وجود مذهب سياسي يسمى التقية يضم تحت عباءته شخصيات كثيرة من مختلف المذاهب الدينية والتيارات الفكرية والانتماءات المناطقية أو القبلية. نعم، في الكويت تقية سياسية يدعي اصحابها انها نوع من المناورة أو «البراغماتية» أو فن الممكن لكنها في الحقيقة مذهب يتسع يوماً بعد يوم.
وزير يقول انه لن يرضخ ولن يفعل ولن يساوم ولن يعقد الصفقات ولن يعتمد إلا مسطرة الدستور والقانون في الادارة والتعيينات... ومع ذلك يترك وزارته وقد ملأها بكل ما يعاكس ما تعهد به.
نائب مع الحكومة يقول انه لن يهاجم، لن يواجه، لن يستجوب، لن يعرقل. سيتعاون ويتدرج في المساءلة همه في ذلك حل القضية المثارة لا حصد شعبية جديدة... ومع ذلك يكون اول من يستجوب على قضايا يعرف قبل غيره أنها إما كيدية ومدفوعة من قبل «معازيبه» الحقيقيين وإما أنها ترهق الموازنة وتسن سنة خبيثة اقتصاديا وماليا. عين على شعبية يفتقدها وأخرى على إعجاب أسياده به.
نائب معارض يقول إنه سيهاجم ويواجه ويستجوب... ثم يصبح الاكثر مهادنة لمجرد «تطييب» خاطره أو وعد بتطييب خاطره أو أملاً بوعد بتطييب خاطره.
معارض يدفع الشباب الى التقدم... فاذا بخطواته تتباطأ لسبب أو لآخر، واذا بصوته ما زال يلعلع بينما جسده في آخر الركب.
ومعارض يحرض غيره على تحرك ما... ثم يترك غيره يتحمل المسؤولية بمفرده فيما هو يبحث عن مخارج آمنة لنفسه ويرسل الرسائل والوسطاء لفتح صفحة جديدة مع ضمان الحد الادنى لماء الوجه.
ومعارض كان يقحم الدين والشرع في كل شيء سياسي واجتماعي واقتصادي عندما كان مواليا... فاذا به يقسم على قول الحقيقة ثم يقول نصف الحقيقة فربعها فجزءاً بسيطاً منها قبل ان يعود فيقسم انه تحدث بناء على ما سمعه لا ما رآه.
ومعارض كان يعتبر وحدة المعارضة من المقدسات لكنه في اول استحقاق تطويري أو حركي يتمترس خلف موقفه ويعتبر الاستحقاق الجديد مؤامرة تنفذ ضده بحسن نية أو بسوئها.
رجل دين يناصح بالسر ويفضح بالعلن، وعالم يلعلع ليل نهار بالوحدة وهو يحض مريديه في كل لقاء خاص على الطائفية والتشهير بالمذاهب الاخرى، وليبرالي كرّس كل عمره يحذر من خطر الاسلاميين تراه في حضنهم طالما ان هناك قضية شخصية تخصه، واسلامي يتحالف مع ليبراليين ضد اقرانه لخلاف على مشروع تجاري، ومتطرف اصبح اكثر ليونة بعد «تقدير مصالحه»، وحكومة تغض الطرف عن مسيء أملاً في كسب جماعته وتعاقب من كان أقل إساءة لان لا جماعة لديه... و... و... و.
طبعا هناك المبدئيون وهم كثر، وهناك الصادقون وهم كثر، انما لا علاقة للنماذج التي نتحدث عنها بالمناورة أو التكتيك أو البراغماتية... كلها نماذج تدخل في اطار التقية السياسية وهو المصطلح المهذب لمصطلح آخر نحشم القراء عنه.
جاسم بودي
الروايات التاريخية لـ «التقية» متعددة ومتناقضة وموجهة. وتعريفاتها متعددة، إنما يمكن تبسيطها بالقول إنها إخفاء معتقد أو فكر أو إبطان موقف خشية تعرض صاحبه أو المجموعة المرتبطة به لضرر مادي أو معنوي، وتطور هذا التبسيط وتشعب عبر التاريخ يهوديا ومسيحيا، مرورا بظهور الدين الاسلامي واضطرار مؤمنين الى اخفاء معتقداتهم أو اشهار الكفر لفظاً وتحت الضغط، ثم في مرحلة الخلافة وما بعدها... وكان للشيعة (بمفهوم اليوم لهذا المصطلح اذ لم يكن هناك شيعة أو سنة سابقا) نصيب من التصاق مفهوم التقية بهم في العصرين الاموي والعباسي.
لن أخوض في قضية التقية تاريخيا ولا في أسبابها أو في الظروف التي دفعت الى ظهورها، فهي موضوع خلافي شائك ليس بين السنة والشيعة فحسب بل بين الشيعة والشيعة والسنة والسنة، والمراجع مليئة بالتناقضات بين من يجيزها لفترة ولو كانت على حساب الحق شرط ثبات الإيمان في القلب وبين من يعتبرها حراما ان اوجبت اخفاء الحق. بين من يعتبرها ضرورة لحماية فرد أو مجموعة ولو على حساب المصلحة العامة وبين من يعتبر المصلحة العامة أهم من حماية فرد أو مجموعة... واذا أردنا البحث والمتابعة فلن ننتهي، مع التنويه الدائم بان موضوع التقية لم يكن حكرا على مذهب أو مجموعة أو دين.
النقطة الأهم التي لا يريد أن يقترب منها أحد، وتحديدا اولئك الذين يعتبرون ان الحداثة والتحضر والعصرنة عوامل تهدد وجودهم وتجارتهم وبضاعتهم السيئة الصدئة التي يبيعونها، ان الظروف التي فرضت نشوء مصطلح التقية بالمفهوم الديني - المذهبي انتهت عمليا في عالم فضاؤه مفتوح تحكمه قوانين ودساتير وقيم مدنية وحريات ومواطنة، ويعيش ثورة إعلامية متجددة ومذهلة ويدفعك دفعاً الى اللحاق بركب السباق الى الامام دائما والا بقيت على هامش العلم والتكنولوجيا والصناعة والطب والاقتصاد والتنمية. ببساطة أكثر وصراحة أكبر، أيهما أهم اليوم: ان نعرف كيف سنتعامل وابناءنا مع الجيل الجديد من الشبكات التكنولوجية للاتصالات والمعلومات ونكيفها مع مؤسساتنا العلمية والصحية والتجارية والاقتصادية، أم سنمضي الوقت نحن وأولادنا في معرفة اسباب قول الصحابي ابن مسعود «ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلما به» أو هل كانت مبايعة سلمان الفارسي للخلفاء الراشدين بيده لا بقلبه؟
التقية انتهت بمفهومها السابق، لكننا نلاحظ اليوم وجود مذهب سياسي يسمى التقية يضم تحت عباءته شخصيات كثيرة من مختلف المذاهب الدينية والتيارات الفكرية والانتماءات المناطقية أو القبلية. نعم، في الكويت تقية سياسية يدعي اصحابها انها نوع من المناورة أو «البراغماتية» أو فن الممكن لكنها في الحقيقة مذهب يتسع يوماً بعد يوم.
وزير يقول انه لن يرضخ ولن يفعل ولن يساوم ولن يعقد الصفقات ولن يعتمد إلا مسطرة الدستور والقانون في الادارة والتعيينات... ومع ذلك يترك وزارته وقد ملأها بكل ما يعاكس ما تعهد به.
نائب مع الحكومة يقول انه لن يهاجم، لن يواجه، لن يستجوب، لن يعرقل. سيتعاون ويتدرج في المساءلة همه في ذلك حل القضية المثارة لا حصد شعبية جديدة... ومع ذلك يكون اول من يستجوب على قضايا يعرف قبل غيره أنها إما كيدية ومدفوعة من قبل «معازيبه» الحقيقيين وإما أنها ترهق الموازنة وتسن سنة خبيثة اقتصاديا وماليا. عين على شعبية يفتقدها وأخرى على إعجاب أسياده به.
نائب معارض يقول إنه سيهاجم ويواجه ويستجوب... ثم يصبح الاكثر مهادنة لمجرد «تطييب» خاطره أو وعد بتطييب خاطره أو أملاً بوعد بتطييب خاطره.
معارض يدفع الشباب الى التقدم... فاذا بخطواته تتباطأ لسبب أو لآخر، واذا بصوته ما زال يلعلع بينما جسده في آخر الركب.
ومعارض يحرض غيره على تحرك ما... ثم يترك غيره يتحمل المسؤولية بمفرده فيما هو يبحث عن مخارج آمنة لنفسه ويرسل الرسائل والوسطاء لفتح صفحة جديدة مع ضمان الحد الادنى لماء الوجه.
ومعارض كان يقحم الدين والشرع في كل شيء سياسي واجتماعي واقتصادي عندما كان مواليا... فاذا به يقسم على قول الحقيقة ثم يقول نصف الحقيقة فربعها فجزءاً بسيطاً منها قبل ان يعود فيقسم انه تحدث بناء على ما سمعه لا ما رآه.
ومعارض كان يعتبر وحدة المعارضة من المقدسات لكنه في اول استحقاق تطويري أو حركي يتمترس خلف موقفه ويعتبر الاستحقاق الجديد مؤامرة تنفذ ضده بحسن نية أو بسوئها.
رجل دين يناصح بالسر ويفضح بالعلن، وعالم يلعلع ليل نهار بالوحدة وهو يحض مريديه في كل لقاء خاص على الطائفية والتشهير بالمذاهب الاخرى، وليبرالي كرّس كل عمره يحذر من خطر الاسلاميين تراه في حضنهم طالما ان هناك قضية شخصية تخصه، واسلامي يتحالف مع ليبراليين ضد اقرانه لخلاف على مشروع تجاري، ومتطرف اصبح اكثر ليونة بعد «تقدير مصالحه»، وحكومة تغض الطرف عن مسيء أملاً في كسب جماعته وتعاقب من كان أقل إساءة لان لا جماعة لديه... و... و... و.
طبعا هناك المبدئيون وهم كثر، وهناك الصادقون وهم كثر، انما لا علاقة للنماذج التي نتحدث عنها بالمناورة أو التكتيك أو البراغماتية... كلها نماذج تدخل في اطار التقية السياسية وهو المصطلح المهذب لمصطلح آخر نحشم القراء عنه.
جاسم بودي