أطلقوا المغردين ... أوقفوا التحريض ضدهم

تصغير
تكبير
الكويت تعني الحرية بكل ما تجسده من قيم ومعانٍ. كانت الواحة التي تظلل كثيرين بفيئها يوم كان التفكير - مجرد التفكير - جريمة يعاقب عليها القانون في دول أخرى. كانت ملجأً للباحثين عن التعبير... صحافة الممنوعين من الكتابة وثقافة الممنوعين من الإبداع. الجميع وجد نفسه هنا، السياسي والمشرع والاعلامي والمثقف والكاتب ورجال الدين المقموعون في بلادهم. الجميع كانوا هنا قبل أن تنتشر رسالة الكويت وتنتصر في الخارج ويتسع مدى التجربة الى آفاق لم تعد الكويت الحالية ربما تستطيع مجاراتها.

نريد للرسالة الكويتية دائما أن تنتصر في الخارج لكننا لا نريدها أن تنكسر في الداخل. أقول هذا الكلام لا من باب الانتقاص مما نحن فيه أو من قبيل جلد الذات بل من باب الشكر الذي يديم النعم، وحتى تدوم النعم لابد من عناصر مترابطة مترافقة مع قطار الحرية بينها القانون والعدالة والديموقراطية والتسامح... وأهمها ربما فتح الطريق لإيجاد مخارج ومنح فرص جديدة وعدم حشر أحد في الزوايا الضيقة المظلمة.

أقول هذا الكلام وأنا أتألم لمثول مغردين ومغردات امام القضاء بتهم متعددة. أضع نفسي مكان والد المتهم أو المتهمة، بل أضع نفسي مكان الماثلين أمام التحقيق وهم شبان في عمر الورود. أتذكر الإشكالية التاريخية بين حرية الرأي ومخالفة القانون وأتساءل عن صوابية تحميل المغردين الشبان مسؤولية عدم التوقف عند الحدود الفاصلة.

لا أحد يعترض على تطبيق القانون، ولا يجب ان نوصم هؤلاء الشبان بأنهم ضد القانون، واسمحوا لنا بنقاش بسيط حول هذه المسألة.

بداية يجب الاعتراف بأن «تسونامي» وسائل التعبير الناتج عن زلزال التطور التكنولوجي أربك الجميع وعلى رأسهم الحكومات التي عجزت عن التعاطي مع عشرات آلاف الآراء التي انطلقت في وقت واحد كاسرة جدار الصمت التاريخي. ولابد من القول إن حكومات الانظمة الاخرى هي من يجب ان تكون لديها مشكلة وليس حكومة الكويت أو الدول التي تشبه الكويت لان تاريخها مفطور على تقبل الرأي والرأي الآخر وسجونها خالية من معتقلي الرأي ووسائل التعبير فيها متاحة وديموقراطيتها تتسع للجميع... إنما النتيجة أن الإرباك حصل وبالتالي هناك دول حجبت وقمعت، وأخرى تخبطت في إصدار قوانين، وثالثة فتحت الأبواب بلا رقابة، ورابعة راقبت وأنشأت شرطة إلكترونية، وخامسة مازالت تتلمس طريقها لحل هذه المسألة من خلال منظومة قوانين تشكل مظلة ينضوي تحتها تنظيم التغريد، وافترض أن الكويت تندرج في الخانة الأخيرة.

في السابق كان القانون يطبق على كتاب المقالات. قانون واضح ومفصل يتضمن الحقوق والواجبات. المسموح والممنوع. العدد محدود والقضايا على كثرتها تبقى مبررة وتحت السيطرة، إنما كيف يمكن ان يطبق القانون على عشرات آلاف المغردين اليوم؟ تقنيا؟ مكانيا؟ على مستوى الملاحقات؟ أماكن الاحتجاز؟

وقبل الملاحقات والتوقيفات، نسأل الحكومة: هل تم تعميم تفاصيل القانون الذي ينظم «الحراك التعبيري» عبر وسائط التواصل الاجتماعي بالشكل العلمي وفي إطار واجباتها ومسؤولياتها الوطنية قبل ان نقول مبادئ العدل؟ إن غالبية مستخدمي هذه الوسائل هم من الشبان الذين لا يملكون خبرة السياسيين أو كتاب الصحف ولم توزع عليهم لوائح تنظيمية للمسموحات والممنوعات، ولذلك كان على الحكومة أن تطلق حملة توعية كبيرة لشرح القوانين واللوائح، بل وان تلجأ إلى ما لجأت إليه دول كبرى اشتركت الحكومات فيها مباشرة بوسائط التواصل الاجتماعي بحيث كانت ترسل رسائل قصيرة بشكل يومي (بأشكال فنية محترفة) وعلى امتداد أشهر تشرح فيها المسموح والممنوع وتُحذّر من التعرض لاشخاص وتشرح الحدود الفاصلة بين الرأي ومخالفة القانون.

وأيضا على الحكومة أن تنجز مجموعة القوانين التي ستشكل المظلة الناظمة للحراك التعبيري عبر وسائط التواصل، فاليوم فقط صدر مرسوم الوحدة الوطنية الذي يرفض أشكال التمييز والكراهية والتعصب، وغدا قد يصدر مرسوم آخر عن قضية أخرى، وهذه أمور تتعلق مباشرة بأساليب التعبير، وقد يعاقب عليها مغرد أو «فيسبوكر» أو «بلوغر» لأن التفاصيل لم تصل إليه وهو لا يلام لأن سياسيين مخضرمين في الكويت لم يعرفوا حتى الآن حقوقهم وواجباتهم في قانون الوحدة الوطنية.

اليوم مثلت مجموعة أمام القضاء. وغدا أخرى. طبعا هؤلاء لا يرضون بانتهاك القانون، وأنا متأكد من أنهم على خلق وتربية وتعلموا احترام الناس من ثقافتهم ودينهم وذويهم قبل أن ينظم القانون عملهم. نقول هناك فارق بين الهفوة والجريمة المتعمدة. فارق بين شاب يغرد بحماسة تعبيرا عما يؤمن به وبين سياسي محترف خلف الميكروفون يتحمل مسؤولية كونه ناشطاً أساسياً في الشأن العام، وعلى السلطات المختصة بعدما قصرت في «تسويق» القوانين أو في إنجازها أساسا، ألا تقصر في الاقتراب من مشاعر هؤلاء الشبان وأفكارهم وآرائهم.

ما ذكرته سابقا مداخل ضرورية للتعاطي المتحضر مع ظاهرة التغريد، فمن سيقوا إلى التحقيق مجموعة صغيرة سيقابلهم خروج مجموعات كبيرة يقدر عددها بالآلاف من دائرة الضوء إلى دائرة الظل. حسابات بأسماء وهمية. ألقاب مستعارة. خطوط هاتفية خارجية. عناوين متنقلة. وهؤلاء كفيلون بإفراغ أي قانون من مضامينه وبتكوين «مظلومية» وبجر الإيجابيين الى بحر السلبية. بهذه الطريقة تكون الحكومة دفعت ألف شخص خارج دائرة القانون في مقابل كل شخص تطبق عليه «القانون».

هذا في ما يتعلق بالقانون وتجهيله وعدم ترويجه وطريقة تطبيقه، أما في ما يتعلق بالسياسة فأنا أحذر الحكومة ومن يصور نفسه أنه يدافع عن الحكومة، من اللغة المستخدمة ضد هؤلاء الشبان والتحريض الدائم ضدهم وإقحامهم في أتون الأزمة السياسية الدائرة وكأنهم بلا شخصية أو جزء من «جمهور» هذا السياسي أو ذاك. هؤلاء ابناؤنا. هؤلاء غدنا. هؤلاء قادة المستقبل. يعيشون الآن تجربتهم ويتنقلون بين الافكار والآراء والمواقف قبل أن تتبلور تجربتهم وتنصقل شخصيتهم. يريدون يدا تأخذ بيدهم لا تضرب عليها، ويريدون رأيا يناقش رأيهم لا يحجر عليه، ويريدون المشاركة لا التهميش ولا الإقصاء.

أطلقوا المغردين وأوقفوا التحريض ضدهم، فحتى تدوم النعم، كما أسلفت، لابد من القانون والعدالة والديموقراطية والتسامح... إنما لابد من فتح الطريق لإيجاد مخارج ومنح فرص جديدة وعدم حشر أحد في الزوايا الضيقة المظلمة.



جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي