لماذا ربحت أميركا وكيف تربح الكويت؟


سؤال أطلّ برأسه بعد انتهاء معركة السباق الرئاسي الاميركي وما أفرزته من عودة للرئيس اوباما الى منصبه لولاية جديدة.
ربحت أميركا لأنها استطاعت خلق مساحات شاسعة من التباين في الرأي بل والانقسام الوطني بغية ايصال كل فريق مرشحه، لكنها في الوقت نفسه وبفرادة تحسد عليها، أسست لعودة مميزة للوحدة والمصالحة. قال ميت رومني المرشح الخاسر وهو يهنئ اوباما وزوجته وابنتيه وفريق عمله والاميركيين: «الامة على مفترق طرق وعلينا ألا نجازف بالانقسام والتحزب»، داعيا الى التعاون بين الحزبين لايجاد حلول للقضايا العالقة. كذلك قال اوباما في خطاب النصر ان التحزب لن يضعف اميركا داخليا فحسب بل خارجيا أيضاً، مادحا رومني «الذي قدم خدمات لاميركا يشكر عليها»، ومؤكدا انه سيلتقيه قريبا للاستفادة من مشورته، وسيعمل مع قيادات الحزب الجمهوري عن قرب لعلاج الازمات... لم يحقد الخاسر على المنتصر. لم يجيّش الناس ضده لانه سيخسر مرتين، ولم يصب الفائز بالغرور بل مد يدا راقية للتعاون.
وربحت أميركا لأن معركة الرئاسة فيها ليست ايصال شخص الى البيت الابيض، بل هي معركة الانتقال بالمجتمع الاميركي خطوة الى الامام من خلال البرامج الانتخابية المرتكزة بشكل اساسي على تفاصيل التنمية. رومني قال في خطاب الخسارة ما معناه انه سيكون منتصرا اذا تحقق جزء كبير من البرامج الانتخابية خصوصا لجهة حل مشاكل البطالة والدين والعجز المالي «فالتوظيف والتنمية أهم من السياسة»، أما اوباما فقدم في خطاب النصر شيئا من التفصيل، قائلا انه يريد للجيل الجديد مدارس أفضل وتعليما أرقى ووظائف متقدمة وسكنا ملائما وطبابة متاحة وفاعلة.
وربحت أميركا لأن الطرفين المتنازعين فيها يتسابقان على حب اميركا وخدمة الاميركيين. رومني الخاسر واجه كل محاولات التشكيك بمحاباته لطبقات معينة أو بانتمائه الديني بعبارة واحدة في نهاية خطابه: «اؤمن بأميركا وشعب اميركا»، أما اوباما فختم خطابه المؤثر بالقول: «اعمل وكن وطنيا» بغض النظر عن الاصل والفصل والدين والعرق والفقر والغنى والصحة والمرض.
وربحت أميركا لأن المواطنة هي المعيار لا الخلفية الدينية ولا العرقية. بل يكفي اميركا ربحا ان دولة غالبية شعبها تدين بالمذهب البروتستنتي ويتصارع على رئاستها مرشح من مذهب المورمون (الذي ما زالت دوائر كنسية ترفضه وتحاربه) ومرشح آخر والده مسلم فيما نائب الرئيس كاثوليكي. بل ذهب الرئيس اوباما الى الحديث عن «ولايات» اميركية وكأنه يتحدث عن دماء «اميركية» لا دماء زرقاء أو حمراء.
وربحت اميركا لان المرشحين المتنازعين رفعا شعار المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، و«اميركا اولا»، فرومني كما اوباما في موضوع السياسة الخارجية، اعتبر ان متابعة بناء الدولة في اميركا اهم من الغوص في الرمال الدولية المتحركة لبناء دولة في آسيا واخرى في افريقيا وثالثة في اميركا الجنوبية. خاضت الولايات المتحدة ما اعتبرته حروبا دفاعية لأمنها ومصالحها، لكنها انكفأت باعتدال لمعالجة أزماتها الداخلية.
وربحت اميركا لأن الصراع بين رأيين أو فكرتين اقتصاديتين يمكن حله بالادارة وبالرؤية الانسانية. الادارة التي تفتقدها كل دول العالم الثالث، فالأميركيون مثلا مع حرية السوق بل هم من رفعوا الحريات الاقتصادية الى المرتبة الدستورية والقانونية، لكن السوق الحر لا يعني السوق المنفلت، ولذلك اثبتت ادارة اوباما انها قادرة خلال الازمات (وهذا ما حصل مع الإعصار سالي) على ايجاد جهد حكومي فاعل يمكن ان يعتمد عليه وان يثق فيه الجميع، كذلك اعتبر اوباما ان الادارة لا تستقيم من دون عمقها الانساني فخاض وما زال حربا كبيرة لترسيخ سياسته الصحية الجديدة الهادفة الى تحرير الاميركيين من شروط شركات التأمين لا بتأميمها بل بخوض الغمار نفسه عن طريق هيئات حكومية. ولذلك كان اوباما فخورا وهو يتحدث عن الطفلة المصابة بالسرطان في اوهايو وكيف تمكن أهلها من تأمين الدواء لها بعدما استعصى عليهم ذلك سابقا.
وربحت اميركا لان المرشحين فيها للرئاسة اعتمدا على فريقين انتخابيين يمكن تصنيفهما بأنهما الافضل تاريخيا على مستوى الصراع الرئاسي، ما يعكس مشاركة اكبر وتنظيما أدق وتوسيعا للوعي الديموقراطي والتجربة المميزة. كل واحد شكر الفريق الانتخابي للآخر بينما ذهب اوباما بعيدا في شكر مناصريه قائلا انه يدين بالجميل لهم، وفي شكر من انتخبه قائلا انه تعلم منهم «ولذلك سأكون رئيسا افضل»، مؤكدا ان الديموقراطية لا تنتهي بإعطاء الصوت «فأنتم الرقباء علينا»... لم يوال الموالون لهذا المرشح أو ذاك نظير خدمات توظيف ووساطات وإسقاط مخالفات فهذه امور ممنوعة في القانون الاميركي وفي ثقافة الغالبية من الاميركيين، انما فعلوا ذلك لايمانهم ببرنامج وطني عام وبانه الاصلح على تطبيق بنوده.
وربحت أميركا لأنها اعطت مفهوما جديدا للقوة. يقول اوباما إن اميركا التي تملك أعظم جيش في العالم هي اميركا العطوفة الكريمة المتسامحة التي تستقبل المهاجرين من كل انحاء العالم فتصهرهم في بوتقتها الوطنية. تفيدهم وتستفيد منهم فيصبحون اطباء ومهندسين ومدرسين ورجال اعلام... بل ورؤساء.
وربحت أميركا لأن من سيتولى المسؤوليات فيها يجب ان يكون ثابتا على المبدأ والموقف. ان يقول إنه اخطأ ويصحح أو يفسح المجال لغيره لان الامة الاميركية مليئة بالكوادر القادرة. ورغم حملة رومني الناجحة الا ان اهم ما ساهم في خسارته هو جردة الحساب التي أجراها الفريق المنافس لمواقفه وكيف تغيرت من أقصى اليمين الى الوسط الى اطراف اليسار... الى الدرجة التي صار يتندر الاميركيون معها على من يغير مواقفه بالقول: «لا تعتمد الرومنية».
واخيرا ربحت اميركا، لان معركتها الحقيقية كما قال اوباما «كانت معركة الامل ضد اليأس».
نصل إلى الجانب الآخر من موضوع الافتتاحية: كيف تربح الكويت؟
... أترك الاجابة لمن هو أعلم لأن لا رغبة لي اليوم في التكلم بالسياسة!
جاسم بودي
ربحت أميركا لأنها استطاعت خلق مساحات شاسعة من التباين في الرأي بل والانقسام الوطني بغية ايصال كل فريق مرشحه، لكنها في الوقت نفسه وبفرادة تحسد عليها، أسست لعودة مميزة للوحدة والمصالحة. قال ميت رومني المرشح الخاسر وهو يهنئ اوباما وزوجته وابنتيه وفريق عمله والاميركيين: «الامة على مفترق طرق وعلينا ألا نجازف بالانقسام والتحزب»، داعيا الى التعاون بين الحزبين لايجاد حلول للقضايا العالقة. كذلك قال اوباما في خطاب النصر ان التحزب لن يضعف اميركا داخليا فحسب بل خارجيا أيضاً، مادحا رومني «الذي قدم خدمات لاميركا يشكر عليها»، ومؤكدا انه سيلتقيه قريبا للاستفادة من مشورته، وسيعمل مع قيادات الحزب الجمهوري عن قرب لعلاج الازمات... لم يحقد الخاسر على المنتصر. لم يجيّش الناس ضده لانه سيخسر مرتين، ولم يصب الفائز بالغرور بل مد يدا راقية للتعاون.
وربحت أميركا لأن معركة الرئاسة فيها ليست ايصال شخص الى البيت الابيض، بل هي معركة الانتقال بالمجتمع الاميركي خطوة الى الامام من خلال البرامج الانتخابية المرتكزة بشكل اساسي على تفاصيل التنمية. رومني قال في خطاب الخسارة ما معناه انه سيكون منتصرا اذا تحقق جزء كبير من البرامج الانتخابية خصوصا لجهة حل مشاكل البطالة والدين والعجز المالي «فالتوظيف والتنمية أهم من السياسة»، أما اوباما فقدم في خطاب النصر شيئا من التفصيل، قائلا انه يريد للجيل الجديد مدارس أفضل وتعليما أرقى ووظائف متقدمة وسكنا ملائما وطبابة متاحة وفاعلة.
وربحت أميركا لأن الطرفين المتنازعين فيها يتسابقان على حب اميركا وخدمة الاميركيين. رومني الخاسر واجه كل محاولات التشكيك بمحاباته لطبقات معينة أو بانتمائه الديني بعبارة واحدة في نهاية خطابه: «اؤمن بأميركا وشعب اميركا»، أما اوباما فختم خطابه المؤثر بالقول: «اعمل وكن وطنيا» بغض النظر عن الاصل والفصل والدين والعرق والفقر والغنى والصحة والمرض.
وربحت أميركا لأن المواطنة هي المعيار لا الخلفية الدينية ولا العرقية. بل يكفي اميركا ربحا ان دولة غالبية شعبها تدين بالمذهب البروتستنتي ويتصارع على رئاستها مرشح من مذهب المورمون (الذي ما زالت دوائر كنسية ترفضه وتحاربه) ومرشح آخر والده مسلم فيما نائب الرئيس كاثوليكي. بل ذهب الرئيس اوباما الى الحديث عن «ولايات» اميركية وكأنه يتحدث عن دماء «اميركية» لا دماء زرقاء أو حمراء.
وربحت اميركا لان المرشحين المتنازعين رفعا شعار المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، و«اميركا اولا»، فرومني كما اوباما في موضوع السياسة الخارجية، اعتبر ان متابعة بناء الدولة في اميركا اهم من الغوص في الرمال الدولية المتحركة لبناء دولة في آسيا واخرى في افريقيا وثالثة في اميركا الجنوبية. خاضت الولايات المتحدة ما اعتبرته حروبا دفاعية لأمنها ومصالحها، لكنها انكفأت باعتدال لمعالجة أزماتها الداخلية.
وربحت اميركا لأن الصراع بين رأيين أو فكرتين اقتصاديتين يمكن حله بالادارة وبالرؤية الانسانية. الادارة التي تفتقدها كل دول العالم الثالث، فالأميركيون مثلا مع حرية السوق بل هم من رفعوا الحريات الاقتصادية الى المرتبة الدستورية والقانونية، لكن السوق الحر لا يعني السوق المنفلت، ولذلك اثبتت ادارة اوباما انها قادرة خلال الازمات (وهذا ما حصل مع الإعصار سالي) على ايجاد جهد حكومي فاعل يمكن ان يعتمد عليه وان يثق فيه الجميع، كذلك اعتبر اوباما ان الادارة لا تستقيم من دون عمقها الانساني فخاض وما زال حربا كبيرة لترسيخ سياسته الصحية الجديدة الهادفة الى تحرير الاميركيين من شروط شركات التأمين لا بتأميمها بل بخوض الغمار نفسه عن طريق هيئات حكومية. ولذلك كان اوباما فخورا وهو يتحدث عن الطفلة المصابة بالسرطان في اوهايو وكيف تمكن أهلها من تأمين الدواء لها بعدما استعصى عليهم ذلك سابقا.
وربحت اميركا لان المرشحين فيها للرئاسة اعتمدا على فريقين انتخابيين يمكن تصنيفهما بأنهما الافضل تاريخيا على مستوى الصراع الرئاسي، ما يعكس مشاركة اكبر وتنظيما أدق وتوسيعا للوعي الديموقراطي والتجربة المميزة. كل واحد شكر الفريق الانتخابي للآخر بينما ذهب اوباما بعيدا في شكر مناصريه قائلا انه يدين بالجميل لهم، وفي شكر من انتخبه قائلا انه تعلم منهم «ولذلك سأكون رئيسا افضل»، مؤكدا ان الديموقراطية لا تنتهي بإعطاء الصوت «فأنتم الرقباء علينا»... لم يوال الموالون لهذا المرشح أو ذاك نظير خدمات توظيف ووساطات وإسقاط مخالفات فهذه امور ممنوعة في القانون الاميركي وفي ثقافة الغالبية من الاميركيين، انما فعلوا ذلك لايمانهم ببرنامج وطني عام وبانه الاصلح على تطبيق بنوده.
وربحت أميركا لأنها اعطت مفهوما جديدا للقوة. يقول اوباما إن اميركا التي تملك أعظم جيش في العالم هي اميركا العطوفة الكريمة المتسامحة التي تستقبل المهاجرين من كل انحاء العالم فتصهرهم في بوتقتها الوطنية. تفيدهم وتستفيد منهم فيصبحون اطباء ومهندسين ومدرسين ورجال اعلام... بل ورؤساء.
وربحت أميركا لأن من سيتولى المسؤوليات فيها يجب ان يكون ثابتا على المبدأ والموقف. ان يقول إنه اخطأ ويصحح أو يفسح المجال لغيره لان الامة الاميركية مليئة بالكوادر القادرة. ورغم حملة رومني الناجحة الا ان اهم ما ساهم في خسارته هو جردة الحساب التي أجراها الفريق المنافس لمواقفه وكيف تغيرت من أقصى اليمين الى الوسط الى اطراف اليسار... الى الدرجة التي صار يتندر الاميركيون معها على من يغير مواقفه بالقول: «لا تعتمد الرومنية».
واخيرا ربحت اميركا، لان معركتها الحقيقية كما قال اوباما «كانت معركة الامل ضد اليأس».
نصل إلى الجانب الآخر من موضوع الافتتاحية: كيف تربح الكويت؟
... أترك الاجابة لمن هو أعلم لأن لا رغبة لي اليوم في التكلم بالسياسة!
جاسم بودي