خطف الغالبية!

تصغير
تكبير
نكمل بما بدأناه عن الغالبية الصامتة من أهل الكويت، الذين وجدوا أنفسهم فجأة تحت حصار الحكومة والمعارضة، وباتوا أسرى الصراع الدائم بينهما، وفي موقع من يدفع ثمن ما يقرره الآخرون.

لا ندعي أننا في طريق إعادة الأمور إلى نصابها، لكننا بكل تأكيد حركنا مياها راكدة ولمسنا من ردود الافعال التي وصلتنا على الافتتاحية الماضية رغبة كبيرة من الغالبية الصامتة في ايجاد مساحات للتعبير وصيانة المجتمع برمته من دفع ثمن الصراع بين فريقين أساسيين هما الحكومة والمعارضة.

لسنا في نظام ديكتاتوري، لكن الديموقراطية لا تعني أن يبقى الأداء الحكومي على ما هو عليه «واللي مو عاجبه يشرب البحر»، ولا تعني وجوب تكريس كل طاقات الدولة لإقصاء فريق معين عن المشاركة في القرار بحجة أنه مشاغب أو لديه آراء مغايرة أو حتى مصالح، ولا تعني حبس كل مشاريع التنمية في لعبة الصراع على السلطة من بعض أقطاب السلطة أو في لعبة شراء الولاءات ودعم معارضين، ولا تعني محاباة من يوالي بالمشاريع والصفقات ومعاملات التوظيف وهدايا «الرضى» من قسائم وصالات وفلل واراضٍ، ولا تعني غياب المحاسبة وغض النظر عن الفساد وسوء الادارة ومخالفة القانون واستغلال المنصب. واذا كان كلامي غير صحيح فدلّوني على وزير واحد أقيل من منصبه لتقصيره كي لا نقول لمخالفاته.

لسنا في نظام ديكتاتوري، لكن الديموقراطية لا تعني أيضا أن يقرر فريق ما عني وعن غيري تغييرات كبيرة في بنية النظام والمجتمع لانه يرى في رفع السقف سلاحا قويا ضد الطرف الآخر، أو لانه يرى ان اللحظة الاقليمية مناسبة، أو حتى لانه يرى ان المصلحة العامة تقتضي ذلك. هذا امر لا يستقيم نهائيا في الوضع الكويتي لان الغالبية الراهنة لم تكن غالبية قبل عامين، وما كنا نرفضه من الغالبية السابقة لا يمكن أن نقبله من الغالبية الراهنة خصوصا اذا اعتمدت الاساليب نفسها وإن اختلفت المصطلحات.

الدستور الذي ننام ونستيقظ على شعار أنه الحكم والمرجع، نرى أن بعض آلياته مرحب بها اذا توافقت مع افكار ورؤى ومصالح بعض المعارضين في مرحلة ما، ثم نرى هذه الآليات موضع تنديد ورفض من المعارضين أنفسهم لانها تتعارض مع رؤاهم وأفكارهم ومصالحهم في مرحلة اخرى. جميعنا كويتيون وجميعنا نعرف بعضنا البعض جيدا ولا لزوم لضرب أمثلة.

الغالبيات والاقليات نتائج يحددها الناخب كل أربع سنوات لادارة الشأن التشريعي وتكثيف الرقابة والمساهمة مع السلطة التنفيذية في التطوير واقرار اصلاحات ضرورية. ولا لزوم طبعا للقول ان ذلك كله لم يحدث، انما يمكننا القول ان تغيير النظام السياسي ليس وظيفة محصورة بغالبية انتجتها انتخابات واحدة، ولا بغالبية انتجتها اكثر من انتخابات، فعلى مدى الاعوام العشرة الاخيرة كانت هناك غالبيات من لون معين وما كان الكويتيون ليسمحوا لها بتغيير النظام السياسي أو تطويره في اتجاهات معينة.

أستعير هنا من رموز المعارضة أنفسهم الذين يقولون إن أي تعديل للدستور أو تطوير للنظام يجب ان يكون على قاعدتين: الاستقرار والتوافق. اليوم نحن في قمة اللااستقرار على كافة المستويات وفي قمة الانقسام على كافة المستويات، وازيد على ذلك بالقول اننا في قمة تغييب الغالبية الصامتة من أهل الكويت بل ان هذه الغالبية الصامتة بات قرارها مخطوفا من قبل الفريقين المتصارعين، وهي تتحمل أيضا مسؤولية نأيها بالنفس عما يجري رغم انها ستدفع أثمان النهايات.

لو كانت السلطة تملك رؤية مخالفة للأسلوب الذي دأبت على ممارسته لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم أو ما سنكون عليه غدا. ولو كانت المعارضة تملك برنامجا اصلاحيا استنادا الى القاعدتين اللتين طالما اكد رموزها وجوب حضورهما، اي الاستقرار والتوافق، لما وصلنا الى ما نحن عليه اليوم أو ما سنكون عليه غدا. نحن فعلا امام اشكالية دستورية كبيرة لا مثيل لها، والاشكالية تأخذ ابعادا اكثر تعقيدا عندما يتعلق الامر بنمط الحياة العامة للكويتيين في مختلف القطاعات. خصوصا اذا بقيت الحكومة على اسلحتها القديمة الصدئة وتطورت مطالب المعارضين من امارة دستورية الى تعديلات اخرى في الدستور تؤدي الى تغييرات جوهرية في النظام السياسي.

مرة اخرى، لا نقول إن التغيير مرفوض بل عدم التغيير مرفوض. لا نقول ان الوضع الحالي مقبول بل استمرار النهج الحكومي الحالي غير مقبول. التطوير سنة الحياة ونحن أهل الكويت كنا السباقين تحديدا في مجال التطور السياسي في المنطقة... لكن ما نقوله ان الموضوع يتعدى السلطة والحكومة والمعارضة، الى عموم الكويتيين، وحقهم علينا (وعلى السياسيين تحديدا) ان يتبينوا بالتفصيل كل ما يتعلق بالتعديلات الدستورية من آثار وانعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية ستمسهم بشكل مباشر من المنزل الى العمل الى كل مجالات الحياة العامة.

لنكن جريئين، ولتكن السلطة والحكومة والمعارضة اجرأنا، التغيير آت آت، انما ليكن كما كانت الكويت دائما، بالاستقرار أولا وبالتوافق ثانيا وللمصلحة الوطنية والعامة ثالثا وبإجماع الكويتيين (ما أمكن) رابعا. التطوير يحتاج مناخا ملائما يفسح في المجال للغالبية الصامتة ان تخرج عن صمتها وان تبلور تحركها عبر النخب السياسية والشبابية والاقتصادية والاكاديمية والاجتماعية والفكرية والرياضية والثقافية والاعلامية والجامعية والنسائية وغيرها. هذه الغالبية التي ترى الكويت تنام نومة أهل الكهف اذا حصل «زواج المصلحة» بين الحكومة والمعارضة، تصحو على انفلات غرائز وانقسامات وتهديدات ومواجهات في الشارع عندما يحصل الطلاق.

الغالبية الصامتة من أهل الكويت تتحمل المسؤولية طبعا، لكن خطف قرارها لن يؤدي إلا إلى الاسوأ، فـ «زواج المصلحة» بين الحكومة والمعارضة أو الطلاق ينعكس أول ما ينعكس على الأبناء، ولا نريد للجيل الجديد أن ينشأ على قيم أخرى لم تعرفها الكويت.



جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي