«إنجازات»... وعظيمة !

تصغير
تكبير
بداية، لا أرمي من وراء هذا المقال لشيء اللهم إلا الإصلاح، مستفيدا من سعة الصدور وحسن النيات وصدق العبارة والمناخ الحر.

منذ نعومة أظفارنا ونحن نسمع عن «الإنجازات العظيمة» هنا وهناك. تشربنا هذه العبارة مع الماء. تنشقناها في الهواء. مضغناها مع الطعام. وفي المرحلة المدرسية كنا طلابا من مختلف الاتجاهات والمشارب والأفكار. بعضنا يؤيد نظاما ثوريا، والآخر تقدميا، والثالث يساريا، والرابع محافظاً، والخامس ملكيا، والسادس جمهوريا... نختلف على كل شيء في السياسة ونتفق على شيء واحد هو أن الزعيم الذي نحبه أو النظام الذي نميل إليه «حقق إنجازات عظيمة لشعبه وأمته».

كبرنا وكبرت معنا «الانجازات العظيمة». دخلنا الجامعة بهذا السلاح ونحن نحارب بعضنا بعضا. لم يعد يهمنا من أَمَّم مرافق وشركات الدولة ومن عاهد ومن حارب ومن سالم ومن توحد مع من ومن انفصل عن من. كان الجميع يتبارون في ان الزعيم الفلاني أو الرئيس الفلاني أو الملك الفلاني حقق إنجازات ما كان يمكن ان تتحقق لولا وجوده. أرقام في الهواء تطلق كأنها واجب مدرسي حُفِظ عن ظهر قلب او مقرر جامعي اشبع بحثا. «بنينا عشرة جسور، وشققنا آلاف الكيلومترات من الطرق، وانشأنا 3 جامعات، وحققنا التنمية للقرى النائية، وطرحنا مشاريع الاصلاح الزراعي وقوانين الملكية... الخ».

نذهب الى الحرب فنخسر لكننا لا يمكن ان نقول إننا خسرنا لأن «الانجازات العظيمة» التي سبق وتحققت قبل الحرب كافية لجعل الناس يعتبرون الهزيمة عثرة او نكسة. تختلف دول خليجية مثلا على قضايا حدودية فتتأخر التنمية وتنحبس الانفاس لكن «الانجازات العظيمة» تطمئن القلوب. وتخوض دول قريبة منا وبعيدة حروب توحيد بالقوة وانقسامات قيصرية وتتراجع الى الوراء عشرات السنين لكن «الانجازات العظيمة» تبقى ماثلة للعيان وحاضرة، واذا كان بعض الساسة يريد امتصاص نقمة شعبه واقعيا فيقول إن تلك الحروب كانت ضرورة للحفاظ على «الانجازات العظيمة». يحتكر الزعيم وابناء قريته وعشيرته السلطة والحكم لتحقيق مزيد من «الانجازات العظيمة»، ويتشارك كثيرون في القمع وتكميم الأفواه وكبت الحريات وذبح الديموقراطية وزج المواطنين في السجون لأن «عدو الداخل» أخطر من عدو الخارج في ضرب... «الانجازات العظيمة».

يتغير العالم بأسره. يصبح قرية كونية. لم تعد الأرقام الرسمية هي الارقام التي يمكن أن يصدقها المواطن لانه يستطيع بكل بساطة ان ينقر على زر في أي جهاز الكتروني أو هاتف محمول ليعرف ان مستوى التنمية في بلده بلا مستوى اساسا، وان «الانجازات العظيمة» كانت موجودة فقط في وسائل الاعلام الرسمية وهي عمليا عبارة عن توظيف شيء بسيط جدا من الامكانات والموارد العامة في طريق او جسر او شبكة مياه وكهرباء (وغالبية الشبكات في الدول العربية حتى يومنا هذا تعيش مراحل الخطر) او جامعة متهالكة أو... أو... أو... أما غالبية الموارد الموجودة، او تلك التي تم جلبها من الخارج، فذهبت الى المنظومة الامنية للنظام، وبما ان رأس النظام هو النظام في كثير من الدول العربية فيمكن القول إن غالبية الموارد يتصرف بها عمليا شخص واحد.

انتقل الحديث من «الانجازات العظيمة» إلى التحديات العظيمة التي خاضتها الانظمة وقياداتها وحالت دون الابقاء عليها. «فلو لم يطمع بنا القريب والبعيد ولو لم نكن مضطرين للدفاع والتصدي واستنزاف الجهود والموارد لامكننا الحفاظ على الانجازات العظيمة وزيادتها». أما الدول التي تتمتع بأنظمة محافظة هادئة بعيدة عن المنظومات الامنية الضخمة فهي ايضا وجهت غالبية الموارد الى أمور مرتبطة بالطرقات والمدن وابنية الجامعات والمستشفيات والمصانع والمنشآت... حققت انجازات مدنية بلا شك ونقلت مجتمعاتها من مرحلة الى اخرى أكثر تقدما وحداثة لكن المدنية لم تكن ولن تكون بالبناء الجميل والطرق الواسعة فحسب.

بعد كل هذا التاريخ العربي من «الانجازات العظيمة»، وهو تاريخ تطول السباحة في بحر تفاصيله لتأكيد نفيه، يمكننا القول إن أي إنجاز غير مرتبط بتنمية القدرات الانسانية هو إنجاز وهمي وان ترامت مدنه وابنيته على امتداد النظر. يمكنني فقط ان أتحدث عن نقطة واحدة كان يمكن أن أختصر بها كل المقال. هل تساءل أحدنا لماذا بعد أكثر من 60 عاما من «الإنجازات العظيمة» يغادر نائب رئيس جمهورية بلده الى بلد آخر مجاور ليجري عملية قلب مفتوح عادية؟ ولماذا يسافر غالبية الزعماء والقادة العرب والمسلمين الى دول أوروبية وأميركية لتلقي العلاج او استكماله؟

لماذا ولماذا ولماذا؟... لن أكمل المقال... أكملوه أنتم!



جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي