«ع الأصل دوّر»

تصغير
تكبير
كثرت تصنيفاتنا لبعضنا البعض ككويتيين إلى الدرجة التي يمكن أن نتخيل معها وجود جهاز الكتروني في يد كل واحد لقياس حسب ونسب وأصل من يحاوره أو يصادقه أو يناقشه أو يعاتبه أو يهاجمه. والحقيقة أن مفردات التصنيف انطلقت للأسف الشديد قبل سنوات من قبل نواب وشخصيات سياسية تماشيا مع شعبية الخطاب الغرائزي الطامح إلى شد العصب داخل العائلة أو القبيلة أو المنطقة.

يذكر الجميع الأغنية المصرية الشهيرة التي تنتهي دائما بلازمة «ع الاصل دور» وكان المقصود بها طبعا الحديث عن الأصول واللياقات والاخلاق والعادات الاجتماعية وليس عن الحسب والنسب، لكن الكثيرين في الكويت تجاوزوا الأصول واللياقات والأخلاق والعادات إلى التنابز والمعايرة بالأنساب مع ما يرافق ذلك من أثمان اجتماعية ونفسية وراهنا سياسية.

وفي «التدوير» (البحث) عن الأصول يمكننا القول وبكل ثقة إن أصل الكويت قبل مئات الأعوام هو الجماد أي الأرض البور مع بعض الكائنات الحية، ثم بدأت الهجرات من الشمال والجنوب والشرق والغرب من قبل أفراد ومجموعات غادرت أرضها لاسباب كثيرة أهمها اثنان: صعوبة العيش وغياب الأمان (قحط وغزوات وثارات). بعض من وفدوا استقر في هذه الأرض بينما اشقاؤه وأفراد عائلته أكملوا شمالا أو شرقا، ثم اندمجت المجموعات الساكنة مع عملها وجو الاستقرار ولعب العامل الاقتصادي دورا اساسيا في تكوين الأسر والقبائل وصار عامل جذب أساسيا للم الشمل.

في «الفريج» الواحد تجاور الشيعي القادم من الشرق مع السني القادم من الجنوب وتجاور السني القادم من الشمال مع الشيعي القادم من الجنوب. كانت الفروقات اجتماعية وداخل كل فئة أو طبقة ولم تنعكس في تاريخها على الموضوع السياسي. بهذا المعنى لم يكن الفرق الاجتماعي بين السنة والشيعة أو بين البدو والحضر بل كانت التباينات داخل الحضر وداخل البدو وداخل السنة وداخل الشيعة نسبة إلى تاريخ الوفود ومنطلقه، لكن إرادة الاستقرار والعمل والبناء والعادات والتقاليد صهرت الجميع في بوتقة واحدة شابتها استثناءات بسيطة عند بعض المصاهرات.

ومثلما حصل في الكويت من تكوينات اجتماعية حصل في كل دول العالم وتحديدا العالم المتقدم وبالأخص الولايات المتحدة، لكن الفارق بيننا وبين بعض دول العالم ان الوعي الاجتماعي تقدم، مترافقا مع تشريعات قانونية، ما أدى إلى تهاوي نظرية الحسب والنسب لمصلحة الأصلح والأفضل، بل صار المتبجح بالأصول ولا ينظر إلى الحياة إلا من هذه الدائرة مثار تندر فيما تقدم مفهوم «المواطنة» بطريقة رائعة أوصلت مثلا رجلا أسود من أصول افريقية إلى البيت الأبيض.

المشكلة في الكويت أن بعض من في السلطة ساهم قبل عقود في تحويل الفروقات من اجتماعية إلى سياسية لاسباب كثيرة لا داعي للخوض فيها لكنها دلت للأسف الشديد عن قصر نظر، وإن بعض الكويتيين ومن مختلف الفئات الاجتماعية ساهموا أيضا في تحويل هذه الفروقات من اجتماعية إلى سياسية لاسباب كثيرة أيضا لكنها دلت ليس عن قصر نظر فحسب بل عن شعور بانتصار وهمي قد يؤدي إلى هدم الهيكل على من فيه.

حضر كثيرون من أصول قبائلية وهم جزء من كيان اجتماعي لا سياسي، وأي تكتل يبعدهم عن مفهوم المواطنة هو تكتل يبعدهم عن مفهوم التحضر، لان المواطنة هي الرافعة الوحيدة في كل دول العالم التي حفظت أرضا وحمت سيادة وبنت اقتصادا وسرعت تنمية.

قبليون كثيرون سكنوا هذه الأرض قبل الحضر وساهموا في تحضر الكويت وهم أيضا جزء من كيان اجتماعي لا سياسي، وأي تقديم لمفهوم القبلية على المواطنة هو تراجع لمفهوم الدولة ومفهوم علاقتهم بالدولة، من دون ان ننسى ان بعض الذين يزايدون في هذا الموضوع ما زالت قبائلهم الممتدة من المناطق التي وفدوا منها كيانا اجتماعيا لا سياسيا.

«ع الأصل دور»؟ الأصل هو المواطنة والقانون والوعي والمجتمع المدني. الأصل هو النظر إلى المستقبل بعين التجارب الحديثة المتقدمة التي تحتاج توافقا لا العودة إلى المغاور والكهوف واستحضار الخلافات في كل شاردة وواردة. الاصل هو ان نقول هذا اخطأ وهذا أصاب بغض النظر عن «الأصل»، فالمجرم مجرم، والسارق سارق، والطائفي طائفي، والعنصري عنصري، والكريه كريه، والمتطرف متطرف، والجيد جيد والمتعلم متعلم والمثقف مثقف والحبيب حبيب والمعتدل معتدل والتوحيدي توحيدي والمتحضر متحضر.

الأصل... الكويت.



جاسم بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي