بهدف إعادة تشكيل إسرائيل من الداخل

تعزيز نتنياهو لسلطته... من قادة الأمن إلى القضاء

الكنيست يقرّ تعديل قانون تشكيل لجنة اختيار القضاة وسط مقاطعة المعارضة
الكنيست يقرّ تعديل قانون تشكيل لجنة اختيار القضاة وسط مقاطعة المعارضة
تصغير
تكبير

في الأشهر التي تلت السابع من أكتوبر 2023، شرع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عملية ترسيخ واسعة النطاق لسلطته، هزّت أركان الإطار المؤسسي الإسرائيلي. لكن هذا التوجه لم ينطلق مع حرب غزة، بل كان بدأ بالفعل قبل هجوم «حماس». والآن، ومع تصدّر عنوان الأمن القومي وتشرذم المعارضة، يبدو أن نتنياهو يتحرك بلا رادع.

ففي إطار حربه غير الأخلاقية على غزة، عمل نتنياهو في شكل ممنهج على تهميش كبار مسؤولي الأمن، أولئك الذين يُنظر إليهم تقليدياً على أنهم العمود الفقري غير السياسي للدولة و«حراس الهيكل».

ففي الأشهر الأخيرة، قام نتنياهو بطرد أو تهميش شخصيات مثل رئيس الأركان ورئيس الشاباك ومدير الموساد والتطورات الأكثر دراماتيكية كان إقالة مدير الشاباك رونين بار.

في أعقاب الانتقادات في شأن الثغرات الاستخباراتية التي أدت إلى 7 أكتوبر، إذ ادعى نتنياهو وحلفاؤه فقدان الثقة في بار.

ومع ذلك، يشير العديد من المطلعين إلى أن هذه الخطوة كانت ذات دوافع سياسية، لاسيما بالنظر إلى مقاومة بار المزعومة لبعض سياسات نتنياهو بعد الهجوم. والأهم من ذلك، ارتبط بار ارتباطاً وثيقاً بالتحقيق الداخلي الذي أجراه الشاباك في الإخفاقات المحيطة بهجمات 7 أكتوبر. في حين يسعى نتنياهو إلى إبعاد نفسه عن اللوم. فهو لا يريد أن تقع المسؤولية السياسية، عما يعتبره الكثيرون أسوأ فشل أمني في تاريخ إسرائيل، على عاتقه.

وتدخلت المحكمة العليا لتجميد إقالة بار، مما أشعل صداماً غير مسبوق بين السلطتين التنفيذية والقضائية. وعلى الرغم من إصدار المحكمة أمراً قضائياً واضحاً، إلا أن رئيس الوزراء أشار إلى نياته المضي قدماً في الإقالة بغض النظر عن ذلك، مما أثار انتقادات من طيف واسع من الشخصيات السياسية والقانونية الإسرائيلية.

ودان قادة من مختلف الأطياف السياسية، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، خطوة نتنياهو باعتبارها تحدياً مباشراً لسيادة القانون وتصعيداً مقلقاً في حملته لتقويض الضوابط والتوازنات.

ووفق السلوك عينه، نأى نتنياهو بنفسه عن رئيس «الموساد» ديفيد برنياع، الذي سبق أن انخرط في اتصالات دبلوماسية مع جهات فاعلة إقليمية، بما في ذلك الوساطة في أزمة الرهائن في غزة.

فوفقاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية، استُبعد برنياع من منتديات صنع القرار الرئيسية في الأسابيع الأخيرة، مع تعزيز رئيس الوزراء لسلطته داخل دائرة سياسية ضيقة.

كما أُقيل رئيس الأركان السابق هيرتسي هاليفي، من منصبه في الأشهر التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر. وبينما أشار نتنياهو إلى الحاجة إلى قيادة جديدة، فأن هاليفي تم تهميشه بسبب خلافاته حيال إستراتيجية الحرب الحكومية وانتقاداته الداخلية لكيفية إدارة العمليات الأمنية. ويُجسّد عزله نمط نتنياهو في فرض سيطرة سياسية أكبر على القيادة العسكرية.

استهداف القضاء

لا يقتصر هذا الاستيلاء على السلطة في تشديد القبضة على المؤسسة الأمنية. ففي تصعيد إضافي للتوترات، اتخذ نتنياهو خطوات عميقة ومثيرة للجدل ضد القضاء، مما أدى إلى واحدة من أكبر حركات الاحتجاج في تاريخ إسرائيل.

وقد أقرّ رئيس الوزراء وائتلافه تشريعات في الكنيست - ثلاث مرات بغالبية 67 صوتاً - تهدف إلى تغيير تشكيل اللجنة المسؤولة عن تعيين القضاة، وسط مقاطعة المعارضة، لرفضها إضفاء الشرعية على عملية التصويت.

فمن شأن القانون المقترح أن يمنح الائتلاف الحاكم سيطرة أكبر على التعيينات القضائية، مما يسمح له بالتأثير ليس فقط على تشكيل المحاكم المستقبلية، ولكن أيضاً على نتائج الطعون القانونية ضد الحكومة.

يعتبر المراقبون أن هذه الخطوة كانت محاولة مباشرة لتسييس القضاء وتعزيز قبضة نتنياهو على جميع فروع الحكومة. وقد بدأ ذلك قبل وقت طويل من 7 أكتوبر، عندما قدمت حكومته إصلاحاً تشريعياً سعى من خلاله إلى تجريد القضاء - خصوصاً المحكمة العليا - من سلطة تجاوز تشريعات الكنيست. إذ سمح الاقتراح الأكثر إثارة للجدل للغالبية البسيطة في الكنيست بتجاوز أحكام المحكمة العليا، مما أدى فعلياً إلى تحييد المراجعة القضائية.

أثارت هذه المقترحات احتجاجات شعبية في جميع أنحاء إسرائيل، ونزل، وفي ذروتها، أوائل عام 2023 ومنتصفه، مئات الآلاف من الإسرائيليين في تظاهرات إلى الشوارع أسبوعياً.

وهدد جنود الاحتياط العسكريون بعدم أداء واجبهم، وحذر قادة الأعمال من الأضرار الاقتصادية، ودان قادة الأمن السابقون الإصلاحات علناً. فبالنسبة إلى العديد من الإسرائيليين، كان القضاء بمثابة المانع الأخير لتجاوزات الحكومة.

ورغم رد الفعل الشعبي، أقرّت حكومة نتنياهو جزءاً رئيسياً من الإصلاح في يوليو 2023، مما حدّ من «مبدأ المعقولية» الذي تستخدمه المحاكم لإلغاء قرارات الحكومة. وقال النقاد إن هذا مهد الطريق لسلطة تنفيذية غير مقيدة.

ومن الركائز الأخرى للنظام القانوني التي تتعرض للضغوط المدعية العامة غالي بهاراف ميارا. فهي كانت عُيّنت قبل عودة نتنياهو إلى السلطة، وغالباً ما يُنظر إليها على أنها صوت قانوني مستقل - عارض أحياناً سياسات رئيس الوزراء، خصوصاً تلك التي تتناول استقلال القضاء من جهة ومحاكمة نتنياهو الجارية بتهم الفساد من جهة أخرى. ووردت تقارير عن ضغوط من حلفاء رئيس الوزراء لإقالتها أو محاولة الحد من صلاحياتها، خصوصاً بعد دعمها للطعون القانونية ضد عناصر من الإصلاح القضائي. بينما مازالت في منصبها، يبدو أن جهود نزع الشرعية عن سلطتها جزء من حملة أوسع نطاقًا لتقويض الضوابط القانونية المفروضة على الحكومة.

منذ هجمات «حماس»، استغل نتنياهو حال الطوارئ الوطنية لتعزيز سلطته. وقد مكّنته ظروف الحرب من إحكام سيطرته على العمليات العسكرية، وتهميش الأصوات المعارضة، وقمع الاحتجاجات تحت ستار الوحدة الوطنية.

ومع ذلك، فإن العواقب السياسية لهذا التمركز في السلطة لم تُحسم بعد. فبينما اكتسب نتنياهو سيطرة موقتة على المؤسسات الأمنية والقضائية، مازالت ثقة الجمهور في قيادته هشة.

وقد نظّمت عائلات الرهائن تظاهرات، متهمة الحكومة بالفشل في إعطاء الأولوية لعودة الأسرى. واستأنفت الاحتجاجات - وإن كانت أقل من ذي قبل - حيث يجادل المنتقدون بأن نتنياهو يستخدم الحرب كغطاء للحماية من المساءلة. فمن أهم نقاط الخلاف استمرار رفض نتنياهو لمقترحات وقف النار ومقاومته لتنفيذ المرحلة الثانية من صفقة الرهائن، والتي تتضمن وقفاً موقتاً للعمليات العسكرية والانسحاب من أجزاء من غزة. وأحد أسباب هذا الموقف المتشدد هو القلق من أن يؤدي وقف العمليات العسكرية إلى فتح تحقيقات فورية في تعامل الحكومة مع أحداث السابع من أكتوبر، والحرب، والإخفاقات التي سبقتها. فنتنياهو يدرك تماماً أن مثل هذه التحقيقات قد تُورّطه في شكل مباشر، وتُلحق الضرر السياسي بحكومته، أو حتى تُؤدي إلى انهيارها. لذلك إن الحفاظ على حال الحرب يُساعد على تأخير هذه المحاسبة.

بإضعافه السلطة القضائية، وتهميشه للأصوات القانونية المستقلة، وتأكيد هيمنته على الجيش وأجهزة المخابرات، دفع نتنياهو إسرائيل أقرب إلى نموذج تكون فيه السلطة التنفيذية هي الأهم. ومن الواضح أن مشروع رئيس الوزراء لا يهدف إلى البقاء فحسب، بل سينجح في إعادة تشكيل إسرائيل من الداخل.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي