... هكذا قوّضت الولايات المتحدة وإسرائيل وقف النار في غزة

مبانٍ دمرها قصف إسرائيلي استهدف حي الشجاعية شرق غزة (شينخوا)
مبانٍ دمرها قصف إسرائيلي استهدف حي الشجاعية شرق غزة (شينخوا)
تصغير
تكبير

عندما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن الفضل له في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس» قبل أيام قليلة من تنصيبه في 20 يناير 2025، وُصف ذلك بأنه انتصار دبلوماسي.

وكانت الصفقة، التي دعمتها مصر وقطر، هدفت إلى وقف الحرب المدمرة في غزة «موقتاً»، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، وتأمين إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين والسجناء الفلسطينيين. ولفترة وجيزة، بدا الأمر وكأنه إنجاز. لكن بعد أقل من ثلاثة أشهر، انهار وقف النار وتزايدت الخسائر المدنية من جديد، وتعرضت صدقية الولايات المتحدة كوسيط محايد.

وبدل تعزيز وقف النار، فرضت الولايات المتحدة شروطاً إضافية أحادية الجانب لم تكن جزءاً من الاتفاق الأصلي، ما منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غطاءً سياسياً لاستئناف هجومه المدمر على غزة.

وألقت واشنطن اللوم على «حماس»، متجاهلةً انتهاكات إسرائيل المتكررة، بل ودعمت ضمنياً تهديدات تل أبيب بمزيد من التوسع الإقليمي.

فرغم عيوبه فتح وقف إطلاق النار مجالاً ضيقاً لخفض التصعيد. إلا أن تلك النافذة أُغلقت الآن، ليس بسبب التعنت الفلسطيني، بل بسبب رفض إسرائيل الوفاء بالتزاماتها وتغير موقف الحكومة الأميركية.

واستغل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، انهيار الاتفاق، ليصعّد التوترات أكثر عبر تهديده علناً باحتلال أجزاء من غزة في شكل دائم إذا لم يُفرج عن الرهائن المتبقين.

وهذا التلويح العلني بالعقاب الجماعي ومصادرة الأراضي بذريعة الأمن يُعمّق الشكوك في أن إسرائيل لم تكن تنوي قط تنفيذ وقف النار بالكامل.

وبدل ذلك، استخدم نتنياهو الرهائن كورقة ضغط سياسية لتبرير استمرار العدوان العسكري وإحكام قبضته على غزة لفترة طويلة، وهو نهج يعكس رؤية ترامب لتحويل المنطقة «ريفييرا» تجارية من خلال تهجير سكانها الفلسطينيين بالقوة.

في الواقع، لم تُخفِ الولايات المتحدة دورها في تمكين إسرائيل من التصعيد العسكري. فإدارة جو بايدن كانت سمحت بنقل قنابل وذخيرة بقيمة 8 مليارات دولار إلى إسرائيل - والتي أُقرت في عهد ترامب - مما وفّر فعلياً الترسانة اللازمة لشن هجمات جديدة. وبدلًا من استخدام نفوذها لفرض وقف النار، منحت واشنطن إسرائيل حرية استئناف الحرب وأطلقت العنان لها.

الاتفاق وانهياره

تم تنظيم وقف النار في يناير على مرحلتين رئيسيتين. تضمنت المرحلة الأولى وقفاً متبادلاً للأعمال العدائية، وتبادلاً محدوداً للأسرى، وزيادة كبيرة في المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الوقود والغذاء والملاجئ الموقتة.

وكان من المقرر أن تبنى المرحلة الثانية على ذلك، مما أدى تدريجياً إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، خصوصاً من ممر فيلادلفيا الحساس إستراتيجياً.

مع ذلك، لم تنفذ إسرائيل المرحلة الأولى بالكامل. وظلت المساعدات الإنسانية مقيدة وغير محترمة. وأكدت تقارير الوكالات الإنسانية أن الغذاء والوقود والإمدادات الأساسية غالباً ما تتأخر أو تُقيد بسبب السيطرة الإسرائيلية.

علاوة على ذلك، لم تتوقف الأنشطة العسكرية الإسرائيلية - الغارات وضربات الطائرات بدون طيار ونيران القناصة - تماماً.

وبحلول الوقت الذي بدأت فيه المناقشات حول المرحلة الثانية، لم تكن إسرائيل قد امتثلت للالتزامات الأساسية للمرحلة الأولى. ثم جاء يوم 18 مارس 2025، حيث شنت تل أبيب هجوماً متجدداً على غزة، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 750 فلسطينياً، وجرح نحو 1000 في بضعة أيام. ومع ذلك، ألقى المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف باللوم على «حماس».

وقال: «هذا على عاتق حماس»، مجادلاً بأن الحركة «رفضت صفقة عادلة وجلبت لنفسها تجدد القتال».

لم يتضمن إتفاق يناير أي شرط يلزم «حماس» بنزع سلاحها أو إخلاء غزة أو إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين في يوم واحد أو في غضون 40 يوماً.

ومع ذلك، أصرّ ويتكوف في الأسابيع الأخيرة على أنه كي يصمد أي وقف لإطلاق النار، على «حماس» أن تفعل ذلك بالضبط، معيداً صياغة الاتفاق ليدخل تغييراً جوهرياً على الإطار الدبلوماسي الذي أيدته الولايات المتحدة سابقاً.

وبإدخال شروط جديدة بعد الاتفاق - وهي شروط لم تقبلها «حماس» قط - قوّض ويتكوف فعلياً دور الولايات المتحدة كوسيط وخرق الثقة تماماً بدور بلاده.

كان وقف النار مُعرّضاً لضغوط بالفعل بسبب فشل إسرائيل في الوفاء بالتزاماتها. ولذلك، فإن إضافة مطالب مثل نزع سلاح «حماس» لا يخدم سوى تبرير الهجوم الإسرائيلي مع تصوير الحركة على أنها العقبة الوحيدة أمام السلام، وسط تجاهل لحقيقة أن إسرائيل كانت أول من انتهك الاتفاق.

دور ترامب وموقف أميركا

في 17 يناير، وافق مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي على الإتفاق الذي اعتبره فريق ترامب بمثابة انتصار كبير في السياسة الخارجية.

لكن الآن، لم تتناقض تصريحات ويتكوف مع الشروط الأصلية فحسب، بل ألقت اللوم على الفلسطينيين، رغم وجود أدلة دامغة على فشل إسرائيل في الوفاء بالتزاماتها من الصفقة.

وهذا التناقض يؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد طرفاً محايداً، بل أصبحت مُمكّناً لإستراتيجية إسرائيل المتشددة، ما يشجع تل أبيب على إجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة إلى بلد آخر، بعيداً عن فلسطين.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الرسالة واضحة: لا يمكن الوثوق بالاتفاقيات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، إذ كان من المفترض أن يُحقق وقف النار راحة موقتة، ويبني زخماً نحو مفاوضات أوسع، ويمنع المزيد من إراقة الدماء.

لكنه بدلاً من ذلك، انتهى بموجة جديدة من العنف دون محاسبة للطرف الذي انتهكه.

ويُنظر إلى الحرب الحالية في شكل متزايد على أنها أداة للبقاء السياسي لنتنياهو الذي يواجه محاكمات فساد، واستياء شعبياً عميقاً من سلوكه، فهو لا يهدف إلى ضمان أمن إسرائيل، بل لكسب الوقت السياسي واسترضاء حلفاء اليمين المتطرف مثل وزير الأمن اليميني المتطرف إيتمار بن غفير.

ويتماشى ويتكوف في سرده في شكل ملائم مع هذه الأجندة السياسية لنتنياهو. فمن خلال تغيير الأهداف - كالمطالبة بنزع سلاح «حماس» - كأنه يدعم نهج رئيس الوزراء المتطرف، الذي يرفض أي حل تفاوضي ما لم يتضمن خضوعاً فلسطينياً كاملاً.

لذلك، فإن فشل الولايات المتحدة في فرض وقف النار أو محاسبة إسرائيل له تداعيات إقليمية وعالمية. فهو يوجه رسالة إلى جهات فاعلة مثل إيران و«حزب الله»، وحتى روسيا وأوكرانيا، مفادها بأن الصفقات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة تخضع للمصلحة السياسية.

حتى الحلفاء يشككون الآن في النهج الأميركي. فاتفاقات وقف النار تبنى على الثقة المتبادلة والشروط الواضحة.

وعندما يخرق أحد الطرفين الاتفاق، ويُغَيِّر الوسيط القواعد في منتصف الطريق، فإن النتيجة ليست سوى خيانة.

وفي هذه الحالة، تُقاس التكلفة بمئات الأرواح التي أُزهقت، وبانتكاسة كبيرة للدبلوماسية الأميركية في المنطقة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي