انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار... نموذج من الفشل الدبلوماسي!

فلسطينيات قرب منزل دمرته غارات إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (رويترز)
فلسطينيات قرب منزل دمرته غارات إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة (رويترز)
تصغير
تكبير

بدأ غزو غزة بعد 15 شهراً من حرب مدمرة، لم يتوقف إلا لفترة وجيزة بسبب وقف إطلاق نار هش، انتهكته إسرائيل منذ ايام عدة.

وبخلاف الحرب الأولى التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر 2023 التي حظيت بدعم واسع النطاق من المجتمع الإسرائيلي - والتي اعتُبرت آنذاك وجودية، بتكاليف بشرية واقتصادية باهظة اعتُبرت ضرورية تحملها المجتمع الاسرائيلي - يفتقر الصراع الحالي إلى دعم مجتمعي مماثل.

اليوم، يرى العديد من الإسرائيليين أن تجدد الأعمال العدائية مدفوع بالأساس برغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الحفاظ على سلطته السياسية وعلى ائتلافه الهش.

وقد دانت أصوات بارزة داخل إسرائيل علناً انتهاك الحكومة لوقف إطلاق النار، مؤكدة أن مثل هذه الأعمال تقوض بشكل خطير مصداقية إسرائيل الدولية من خلال انتهاكها العلني للاتفاقيات الرسمية.

علاوة على ذلك، فإن انهيار وقف إطلاق النار في غزة، الذي توسطت فيه وأشرفت عليه الولايات المتحدة، له آثار عميقة تتجاوز الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. إنه يُشكك ليس فقط في موثوقية إسرائيل، بل أيضاً في مصداقية واتساق الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة عالمياً، لاسيما في الصراعات الجيوسياسية المعقدة مثل الحرب الروسية - الأوكرانية.

هذا الانهيار يُرسّخ أكثر الاعتقاد بأن الالتزامات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة أو تضمنها تُحترم بشكل انتقائي، مما قد يُقوّض الثقة ويُضعف المكانة الدبلوماسية عالمياً.

كيف يُمكن لروسيا وأوكرانيا أن تثقا بأي اتفاق تتوسط فيه واشنطن؟

لقد تأثرت الحرب في أوكرانيا بانعدام الثقة والتشكك من كلا الجانبين. لطالما اتهمت روسيا، الولايات المتحدة وحلفاءها باستخدام مفاوضات وقف إطلاق النار كإستراتيجية خادعة - تقديم دبلوماسية على الورق، بينما يُسلّحون أوكرانيا في الواقع. ولاتزال كييف أيضاً حذرة، خوفاً من أن أي تسوية من دون ضمانات أمنية قوية قد تُعرّضها للخطر.

يُعزز انهيار وقف إطلاق النار في غزة، فكرة أن الاتفاقات التي تتفاوض عليها الولايات المتحدة غير موثوقة. إذا فشلت واشنطن في فرض وقف إطلاق النار في غزة، فلماذا تثق روسيا في الالتزام بأي اتفاق بوساطة غربية؟

وبالمثل، قد تخشى أوكرانيا أن تضغط عليها الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق، لتنتهكه روسيا - تمامًا كما استأنفت إسرائيل حربها رغم توقيعها هدنة.

هذا القلق ليس جديداً. فقد أقرّت كل من المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بأن اتفاقيتي مينسك 1 ومينسك 2 - اللتين كان من المفترض أن تُخفّفا من تصعيد الصراع في أوكرانيا - لم يُقصد تنفيذهما قط. بل صُممتا لكسب الوقت لأوكرانيا لتسليح نفسها ضد روسيا. هذا الاعتراف يُعزز اعتقاد موسكو بأن الدبلوماسية الغربية مجرد واجهة، مصممة لتحقيق ميزة عسكرية بدلًا من تحقيق السلام.

تاريخ من الاتفاقيات المنتهكة: انتهاكات إسرائيل في لبنان وسوريا

ليس وقف إطلاق النار في غزة أول اتفاق إسرائيلي يُنتهك. لإسرائيل تاريخ طويل في انتهاك اتفاقات وقف إطلاق النار والاتفاقيات الدولية، بينما تتمتع بحماية غربية من المساءلة.

لبنان (انتهاك قرار مجلس الأمن رقم 1701):

بعد حرب عام 2006 بين «حزب الله» وإسرائيل، ألزم قرار مجلس الأمن الرقم 1701 إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية.

وبدلاً من ذلك، احتفظت إسرائيل بمواقع عسكرية داخل لبنان، ووسعتها تدريجياً في الحرب الثالثة، منتهكة بذلك السيادة اللبنانية وشروط وقف إطلاق النار.

سوريا (انتهاك خط وقف إطلاق النار):

في عام 1978، احتلت إسرائيل خط وقف إطلاق النار في مرتفعات الجولان، منتهكة بذلك اتفاقها مع سوريا. ورغم الأحكام الدولية التي تؤكد أن القنيطرة والسويداء ودرعا أراضٍ سورية، وسعت إسرائيل احتلالها بعد سقط بشار الاسد، متجاهلةً القانون الدولي وسيادة سوريا.

تُظهر هذه الانتهاكات نمطاً ثابتاً: إسرائيل تنتهك الاتفاقيات مراراً وتكراراً، والولايات المتحدة تفشل او تتواطأ معها.

وهذا يُظهر أن الالتزامات الدبلوماسية مشروطة بالمصالح السياسية وليس بالالتزامات القانونية.

كيف يمكن للفلسطينيين أن يثقوا بأي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل؟

بالنسبة للفلسطينيين، فإن استئناف الحرب بعد وقف إطلاق النار بوساطة أميركية يجعل المفاوضات المستقبلية مع إسرائيل تبدو بلا جدوى. كان الهدف من الهدنة تخفيف معاناة المدنيين، وتسهيل تبادل الأسرى، وتمهيد الطريق نحو تسوية. بدلاً من ذلك، تجاهلت إسرائيل التزاماتها، وواصلت حصارها لغزة، وشنت هجوماً متجدداً، مما جعل الاتفاق بلا معنى.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي تنتهك فيها إسرائيل اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

اتفاقيات أوسلو (1993 -1999):

وافقت إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية على مراحل، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني، والانخراط في مزيد من محادثات السلام. وبدلاً من ذلك، وسّعت إسرائيل المستوطنات في الضفة الغربية، مما قوّض الاتفاق وجعل حل الدولتين أكثر فأكثر غير قابل للتطبيق.

خريطة الطريق للسلام (2003):

وضعت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إطاراً لاتفاق إسرائيلي - فلسطيني، يُلزم إسرائيل بتجميد النشاط الاستيطاني. واصلت إسرائيل التوسع الاستيطاني بلا هوادة، مما أدى فعليًا إلى إحباط الاتفاق.

ففي 2011، وافقت إسرائيل على إطلاق سراح 1027 أسيراً فلسطينياً مقابل جلعاد شاليت، الجندي الإسرائيلي الذي كانت تحتجزه حركة «حماس».

ومع ذلك، في غضون بضع سنوات، أعادت إسرائيل اعتقال العشرات من الأسرى المفرج عنهم، منتهكة بذلك روح الاتفاق، ومثبتة أنه حتى الصفقات البارزة يمكن إلغاؤها وفقًا لتقدير إسرائيل.

والآن، ومع انتهاك نتنياهو العلني لوقف إطلاق النار في غزة، أصبح لدى الفلسطينيين سبب أقل للثقة في أن إسرائيل ستلتزم بأي مفاوضات مستقبلية.

علاوة على ذلك، إذا أوقف نتنياهو الحرب للدخول في مفاوضات جديدة، فكيف يمكن للفلسطينيين أن يصدقوا أنه لن يستأنفها متى شاء، كما فعل مع غزة؟ الرسالة التي أرسلتها إسرائيل واضحة: وقف إطلاق النار موقت، ويخضع لمصالح إسرائيل، ويمكن انتهاكه دون عواقب.

التأثير العالمي للفشل الدبلوماسي

لا يُمثل انهيار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة انتكاسة للفلسطينيين فحسب، بل له تداعيات بعيدة المدى تُقوّض مصداقية الدبلوماسية الأميركية عالمياً. ستتساءل الدول المنخرطة في صراعات مستمرة أو مفاوضات حساسة الآن عما إذا كان يُمكن الوثوق بأي اتفاق تتوسط فيه الولايات المتحدة، نظراً للفشل المتكرر في إنفاذ اتفاقياتها.

بالنسبة للفلسطينيين، يُثبت فشل الهدنة أن التفاوض استراتيجية مسدودة إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة أو غير راغبة في محاسبة إسرائيل.

كل اتفاق منتهك يُعزز الاعتقاد بأن إسرائيل لن تلتزم أبداً بأي اتفاق سلام، وأن المقاومة العسكرية لاتزال الوسيلة الوحيدة للضغط على الاحتلال والعدوان.

بالنسبة للمجتمع الدولي الأوسع، يُشير فشل الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة إلى أن واشنطن لا تعمل كوسيط محايد، بل كقوة ذات مصلحة ذاتية تُنفذ الاتفاقيات بشكل انتقائي بناءً على مصالح جيوسياسية.

وبينما تُطالب الولايات المتحدة خصومها بالامتثال، فإنها تسمح لحلفائها - وخاصة إسرائيل - بانتهاك وقف إطلاق النار والقرارات الدولية مرارًا وتكراراً من دون عقاب.

قد يكون لهذا المعيار المزدوج عواقب وخيمة على جهود السلام المستقبلية في جميع أنحاء العالم. فمع تآكل الثقة في الدبلوماسية التي يقودها الغرب، قد تلجأ المزيد من الدول إلى وسطاء بديلين، مثل الصين وروسيا، أو جهات فاعلة إقليمية، ممن يقدمون أنفسهم كشركاء أكثر موثوقية في المفاوضات.

وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من الالتزام باتفاقياتها، فسيستمر تراجع دورها كوسيط عالمي، مما يُسرّع التحوّل نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث لم يعد النفوذ الدبلوماسي حكراً على القوى الغربية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي