الحاجة إلى القدوة

جودة الحياة

ما الذي يمكن أن أقوله لكم عن القدوة وضرورة وجودها في حياتنا وأثرها الممتد في الحاضر والمستقبل، الحديث عن القدوة هو بالضرورة حديث عن المثال والنموذج الذي يُحتذى به في الحياة العملية في جانب السلوك والتصرفات وخصوصاً في المواقف الصعبة التي تستدعي الثبات على المبادئ ومطابقة الأقوال للأفعال، فالصدق مع النفس والآخرين من أهم الصفات التي تميز القدوة والتي يمكن أن تؤثر أبلغ الأثر على حياة الأفراد والمجتمعات.
لا يخلو كتاب في التربية من تعزيز القدوة كإحدى الوسائل التربوية المهمة لفعاليتها وأثرها العميق في الحياة، ففي مرحلة ما من حياة المجتمع، إي مجتمع، وفي اللحظات المصيرية والحاسمة التي تشكل المستقبل يحتاج الناس إلى نموذج، إلى أيقونة مُلهمة لتخطي الصعاب وتجاوز ما يمثل تحديا أو تهديدا يمكن أن يقود ببساطة إلى خطوات رجعية أو إلى مراحل من فقدان الأمل في كسب أي معركة، وما أكثر معارك الحياة. فالقدوة في أبسط معانيها هي المثال الذي يُحتذى به في الواقع، فيكون الإنسان قدوة لغيره متى ما اقترب من الكمال الإنساني في الصفات الجليلة التي حاز عليها، وشكلت على مر الأيام سيرة حياة ومثالا واقعيا يمشي بين الناس. إذاً وجود القدوة من الأهمية بمكان وهي من أكثر الوسائل تأثيراً في الحياة، فرؤية الناس للنموذج الحي الذي يشاهدونه أمام أنظارهم في جانب التطبيق العملي في المواقف الحياتية المختلفة يقود إلى الاتباع عن تبصر، وبمقدار ما يصدق القول العمل تكون القدوة مؤثرة وفعالة وصادقة وذات أثر جوهري وإلا ستكون كالحرث في البحر لا أثر لها في قلوب المتُلقين وعقولهم، فالذي يدعو إلى الصدق ويكذب ينقلب التقدير الواجب له إلى استهجان واستغراب لأنه ببساطة لا يلتزم أخلاقياً وعملياً بما يقول، فلا تستقيم القدوة لا بالصدق ومطابقة الأقوال للأفعال.
تتجلى الحاجة إلى قدوة حسنة تجسد المثال المطلوب في الواقع المعاصر، الذي يتميز بالسرعة وطوفان المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي أصبحت ظاهرة عالمية، فما يحدث في أي بقعة من العالم يمكن أن ينتقل إلى كافة أرجاء الكوكب في بضع دقائق كنص مكتوب أو كصورة معبرة عن حدث رياضي أو اجتماعي أو موقف حياتي لذلك تؤثر الصور والأحداث وتفاعلاتها على شبكات التوصل الاجتماعي على المستويين المحلي والعالمي في تشُكل القدوة أو تصورات الناس الذهنية عن شخص معين، فقد يتخذ الشباب بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي وبعض مشاهير الفن والرياضة والإعلام كقدوة أو مثال للنجاح والتأثر بهم وتقليد حياتهم واتباع خطاهم أملاً في تحقيق النجاح نفسه في حياتهم، بغض النظر إن كانوا فعلا نموذجا ومثالا مشرفا أم لا؟
فلا يكتمل الحديث عن القدوة بأي حال دون التعرض للسمات التي يتعين توفرها في الفرد ليكون قدوة أو مثالاً يحتذى به في الواقع، فلا يمكننا إطلاق الأوصاف والصفات الإيجابية على الناس من دون مسوغات، التحلي بالأخلاق والتمسك بالقيم الحميدة من صفات القدوة أو النموذج المؤثر في الحياة.
فمن وجهة نظري من الشخصيات المشهورة التي قد يتخذها الشباب مثالاً للنجاح والمثابرة والتي ذاع صيتها بشكل كبير وبشكل ايجابي في الآونة الأخيرة، مثلاً لاعب كرة القدم المصري محمد صلاح بفريق ليفربول الأكثر شهرة في إنكلترا لأنه استطاع الدخول إلى بوابة الكرة العالمية عبر فريق ليفربول أكبر الأندية الأوروبية، ورغم اختلاف المجتمعات العربية والاسلامية عن مجتمعات أوروبا وأميركا في ما يتعلق بالدين وبالقيم والعادات الاجتماعية إلا انه استطاع التمسك والاعتزاز بدينه وقيمه وعاداته الاجتماعية وتعمد إظهار ذلك أينما حل دون خجل، ليتمكن بذلك إعطاء صورة مشرفة عن المسلمين في المجتمعات الغربية والتي قد تجهل الكثير عن الاسلام ومبادئه وأسسه، وتعتقد بما تتناقله بعض وسائل الاعلام المختلفة عن الاسلام والمسلمين وعن المجتمعات العربية بشكل عام.
فالقدوة بمعنى آخر هي تقليد الناجحين واتباع خطاهم، أملاً في تحقيق النجاح في الحياة.
وهذا السبب الرئيسي في جميع البرامج التي قدمتها وحرصي الدائم على تقديم نماذج وأمثلة مشرفة من المجتمع، تروي قصة كفاحها وكيفية تحقيق انجازها والوصول إلى قمة النجاح، لتكون قدوة لشبابنا الباحثين عن قدوة حقيقية يقتدوا بها.
فالأفراد يهتمون ويتطلعون إلى الأشخاص الذين يطبقون الحكم والمواعظ التي يتحدثون عنها، ويسلكون الطرق الأخلاقية في التعامل مع الآخرين بكامل الصدق والشفافية. ويظهر دور الشخص القدوة حينما يلتزم بأدواره، ينجز مهامه ويستثمر وقته في سبيل تحقيق خططه وأهدافه، فهو ممن لا يستسلمون بسهولة بل يجتهد ويثابر ويعمل بجد، وعند مواجهة العثرات يجب أن يكون الشخص القدوة مُلهما للآخرين ومصدر إشعاع للطاقة الإيجابية والشعور بالتفاؤل، ونبذ التشاؤم، مع توفر المقدرة لرؤية الجانب المشرق في المواقف والتحديات الصعبة والعمل على الإبداع والابتكار في خلق حلول مبتكرة للمشكلات المختلفة.
ومن أهم ما يميز الشخص القدوة الاستقلالية والثقة حيث يتبع ما يورده إليه قلبه، وما يجده صواباً دون الاهتمام لمن يريد إحباطه، وعلى الجانب الآخر هو يمتلك الشجاعة لكي يطلب المساعدة حينما يحتاجها، وهو متعاون ويعتمد على غيره من دون تواكل وبغض النظر عن مدى الشهرة والشعبية التي قد يصل إليها الفرد ومدى أثره في بيئته ومجتمعه إلا أنه من الضروري جداً أن يتصف بالتواضع ويتصرف على سجيته دون تكلف أو تصنع.
اذاً بوجود هذه الصفات وغيرها المقرونة بالصدق دوماً وتطابق الأفعال والأقوال، يمكن أن يقترب كلاً منا من القدوة والنموذج الراقي ذي التأثير الإيجابي الفعال في حياة مجتمعه، ولتكُن بموضع القدوة الحسنة والمثال الذي يحتذى.
اقرأ سير العلماء والقادة المؤثرين في مجتمعاتهم، ابتعد عن الكسالى وصاحب أهل الهمم العالية، واحرص على ما ينفعكُ، داوم على الأعمال التي تؤديها بهمة ولا تدع التسويف يقتل طموحاتك ويقلل إنتاجك.

* مستشار جودة الحياة
Twitter: t_almutairi
Instagram: t_almutairii
talmutairi@hotmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا