رأي «الراي» / هكذا يكون الاستقبال

مع قرب عودة صاحب السموّ الشيخ صباح الأحمد سالماً معافى إلى الكويت بعد الوعكة الصحية التي تعرّض لها، تعود الابتسامة مشرقة إلى الوجوه والاطمئنان إلى العقول والأمل إلى القلوب. فـ«أبو ناصر» هو، باعتراف البعيدين قبل القريبين، عملة نادرة في الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وصوت الحكمة في زمن خانت الحكمة أصحابها، وملاذ التعقّل في مساحة علا فيها نفير التصعيد على سواه، ورجل المبادرات والتسويات السلمية والإنسانية في عالم يدفع الإنسان فيه ثمن الرؤوس الحامية لقادة أمم ودول.
«أجر وعافية» يا صاحب السمو، وأنت تشرّف ديرتك وبلدك وناسك وهم يتشرّفون بك ويفخرون بأن أميرهم والدهم قبل أن يكون قائدهم وكبير من أسرتهم قبل أن يكون حاكمهم. سنراك بيننا رفيق أيامنا بعدما كنا نتتبّع خطوات الحالة الصحية أوّلاً بأول وتدخل السكينة أفئدتنا مع كل ظهور إعلامي أو استقبال سياسي. نراك بيننا ولم نشعر يوماً أن المسافات أو الظروف أبعدتك عنّا أو أبعدتنا عنك. وهل هناك أجمل من كلامك لـ«ولدك» مرزوق الغانم: سلّم لي على كل كويتي وكويتية.
ستقرّ أعيننا قريباً جداً برؤيتكم، وتضاء مشاعل الفرح في كل بيت، وإذا كانت الدعوات لإقامة برامج احتفالية بعودتكم انطلقت من هيئات ومؤسسات، فلا بدّ من التوقّف هنا عند بعض الملاحظات:
إنّ الاحتفالات بعودة صاحب السمو تعبيراً عن فرح الناس لا يمكن أن تكون مبرمجة ومخطّطاً لها، فالفرح عند الكويتيين فعلاً حالة عفوية ومنطلقة من الذات، ولذلك نتمنّى برامج احتفالية راقية ومختلفة عن سابقاتها.
إنّ صاحب السمو ليس بحاجة طبعاً لأن نخرج طلاب المدارس إلى الشارع أو الموظّفين من أعمالهم لحمل الأعلام والتصفيق والإنشاد. بل على العكس تكتمل فرحة الأمير برؤية أبنائه التلاميذ في مدارسهم والموظّفين في أماكن عملهم، فقد جهد طوال حياته السياسيّة لتكريس مفهوم دولة المؤسسات انطلاقاً من أن «العمل عبادة» وأن على الطالب أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد. ولن يخالج صاحب السمو في أي لحظة إلا أن الالتزام بالعمل والدراسة هو سعادة إضافية لمشاعر الحب والتقدير التي يكنّها للكويتيين ويكنّونها له.
إن أفضل ما يستقبل به أميرنا هو الدعاء له بطول العمر والصحة المديدة. سواء من دعاة المساجد والأئمة ورجال الدين أو من المواطن العادي. فالدعوة الصادقة للصالحين تفتح لها أبواب السماء... «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ».
ولنكن أكثر صراحة، فنتحدث عن الاستقبال الأفضل الذي نجزم أن صاحب السمو يريده في كل وقت.
أفضل استقبال لصاحب السمو وهو العائد إلى ديرته من رحلة سياسيّة تحوّلت رحلة علاج أن تعالج الحكومة أولاً مشاكلها السياسيّة والشخصيّة، وأن ينشغل كل وزير بالعمل والعطاء فينجز في القطاع الذي يتولّى مسؤوليته بدل أن ينجز في محاربة زميل له عبر توظيف «مرتزقة» وخصوم في الفضاءين السياسي والإعلامي. ولا داعي لذكر أمثلة فقد مللنا منها إنما يكفي القول لطابور الوزراء الذين سيقفون مرحّبين بصاحب السمو في المطار بوجوب التركيز على مواقف الأمير ونصائحه واستذكارها واستلهامها بدل النظر إلى كيفية «حماية الظهر» أو الطريقة التي يورّطون فيها زميلاً لهم.
وأفضل استقبال لصاحب السمو هو إنكار أعضاء مجلس الأمة المقولة التي بدأ كثيرون الترويج لها، من أن السنة الأخيرة من عمر المجلس هي سنة «الهذيان التصعيدي» إن صحّ التعبير من أجل كسب عصب شعبوي مناطقي أو طائفي يمهّد لإعادة الانتخاب. فهذا الأمر يتعارض تماماً مع روح التعاون التي لم يخلُ نطق سامٍ منها ومع الالتزام بمبدأ وأصول الرقابة والتشريع، إضافة إلى أن المسؤولية تقضي بإبعاد الكويت عن حرائق المنطقة التي وصلنا بعض دخانها ولا نريد أن تصلنا نارها.
وأفضل استقبال للشيخ صباح هو أن يتوقف أبناء الأسرة عن حربهم المعلنة والخفيّة ضدّ بعضهم بعضاً مع ما يستتبع ذلك من استقطابات عبر تجميع نواب وإعلاميين وشخصيات للمشاركة في حرب النفوذ. وما دار في الكويت في الأشهر الأخيرة لم يعد خافياً على أحد، وأبرزه أن بعض هؤلاء المبحرين بين أمواج التصادم ذهب بعيداً في حرق سفنه أمام موانئ السلطة كي يضمن عدم الرجوع عن خطّه ونهجه... لكنه لا يدري أنه يحرق نفسه ويفقد السلطة جزءاً من هيبتها. إن وقوف أبناء الأسرة قلباً واحداً حول توجيهات الأمير ورغباته السامية هو أرقى وأجمل ما يمكن أن يفرحه.
هل نزيد؟
قَرَّت عين الكويت بأميرها.

«الراي»

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا