الزائدة الدودِيّة: استئصالها لا يؤثر... فما فائدتها؟!

سلسلة تساؤلات مُدهِشة عن أجسامنا نطرحها ونُجيبُ عنها من وحي كتاب ?Why Do Men Have Nipples

الزائدة الدودية هي ذلك «الذيل» الصغير الناتئ على شكل جراب مدبب من الطرف السفلي للقولون الصاعد (المصران الأعور) في الجانب السفلي الأيمن من البطن بالقرب من عظم الورك الأيمن.
وبتعبير أكثر دقة تشريحيا، تتموضع الزائدة الدودية عند نقطة تلاقي الأمعاء الغليضة والأمعاء الدقيقة، حيث تتفرع على شكل ذيل صغير. وهي اسطوانية الشكل، ومسدودة النهاية، وتحوي نسيجاً ليمفاوياً يُعتقد أنه يشكل جزءا من منظومة الجهاز المناعي في الجسم.
وتساؤلنا الذي تتمحور حوله حلقة اليوم هو: بما أنه من المعلوم أن استئصال الزائدة الدودية جراحيا لا يؤثر مطلقا على أي وظيفة حيوية من وظائف أجسامنا، فما فائدتها اساساً؟ ولماذا نولد بها أصلا؟
تحقيقنا التالي يحاول الإجابة عن ذلك التساؤل من زوايا علمية، مع تسليط الضوء على حقائق ومعلومات ذات صلة بتلك «الزائدة»...

نظريات... وتفسيرات

على الرغم من ضآلة حجمها وعدم تأثر الإنسان كثيرا باستئصالها، ما زالت الزائدة الدودية تشكل محورا لاهتمام قطاع عريض من الباحثين في المجالات الطبية والتشريحية والفسيولوجية على حد السواء.
نظرية النشوء والتطور التي أسسها العالم تشارلز داروين رأت أن الزائدة الدودية في شكلها الحالي لدى البشر هي «جسم ضامر» لم يعد له استخدام مؤثر، أي أنها تعتبر «أطلالا» أو أثارا بيولوجية متبقية من عضو كبير كانت له وظائف مهمة قبل ملايين السنين. وترى تلك النظرية أن ذلك العضو فقد كُل أو مُعظم وظيفته الأصلية تدريجيا خلال مراحل التطور المتعاقبة.
وظهرت نظرية أخرى أحدث، ترى أن الوظيفة الأساسية للزائدة الدودية تتمثل في كونها مستودعا لتخزين كميات احتياطية من البكتيريا المعوية المفيدة لاستخدامها عند الحاجة وفي حالات الطوارئ. ويشرح أنصار تلك النظرية الأمر موضحين أن إصابة المرء بنوبة إسهال حادة - على سبيل المثال - تتسبب في إفقاده جزءا كبيرا من البكتيريا المعوية المفيدة التي تساعد في عملية الهضم. وعند ذلك تقوم الزائدة الدودية بدورها إذ تعيد تزويد الأمعاء بمستنبتات بكتيرية كي تتكاثر وتعيد إلى بيئة الأمعاء توازنها البيولوجي، بما يجعل فترة النقاهة من تأثير الإسهال قصيرة نسبيا. ويشير مؤيدو النظرية إلى أن ما يدل على صحتها هو أن من يخضعون لعملية استصال الزائدة الدودية يكونون أكثر تأثرا لاحقا بنوبات الإسهال ويحتاجون إلى فترات أطول من غيرهم كي يتعافوا منها.
ويسود بين أنصار تلك النظرية اعتقاد يرجّح أن الزائدة الدودية تلعب دورا حيويا جدا خلال الحياة الجنينية وخلال السنوات القليلة الأولى من عمر الإنسان عقب مولده ثم يتلاشى ذلك الدور تدريجيا بعد ذلك. وهناك من يرجحون أن دور الزائدة الدودية لدى الكبار والبالغين يتحول بعد مرور العام الأول من عمر الطفل إلى القيام بوظيفة جديدة كعضو ليمفاوي ضمن منظومة الجهاز المناعي المقاوم للهجمات الميكروبية الضارة. ويقول معتنقو ذلك الاعتقاد إنه بينما تلعب الزائدة الدودية دورا في المنظومة المناعية، فإن استئصالها جراحيا لا يعني ضياع الدور الذي تقوم به، إذ إن الجسم يقوم تلقائيا بترحيل ونقل ذلك الدور إلى نقاط دفاع أخرى في الجسم تماما مثلما يحصل بعد استئصال اللوزتين، حيث يقوم جهاز المناعة بتحويل مهامهما الدفاعية إلى نقاط دفاع أخرى.

لكن وجهة النظر التي يوجد حولها أكبر قدر من الإجماع حاليا تقول إن مجرد كوننا نستطيع أن نعيش بشكل طبيعي بعد استئصال الزائدة الدودية لا يعني أنها ليس لها أي وظيفة. فهناك أعضاء أخرى نواصل الحياة بعد استئصالها كاللوزتين، أو الغدة الدرقية، أوالطحال، أو حوصلة المرارة، فضلا عن استئصال فص من إحدى الرئتين أو إحدى الكليتين أو حتى الخصيتين. بل إن كثير من المرضى يواصلون حياتهم بعد استئصال أجزاء من المعدة أو الأمعاء.

التهابها... والأعراض

أسباب التهاب الزائدة الدودية ما زالت غير معروفة على وجه التحديد، لكن الشبهات تدور بشكل اساسي حول بعض أنواع البكتريا الموجودة في المسالك المعوية، وانسداد مدخل الزائدة الدودية، أو تقلص أنسجتها. وعندما يتفاقم انسداد الزائدة بتراكمات بكتيرية، فإنها تنتفخ وتلتهب وتمتلئ بالقيح.
أما أبرز أعراض التهاب الزائدة الدودية فتبدأ بطلقات من الألم الحاد حول السرة، ثم تتحرك طلقات الألم باتجاه ربع البطن السفلي الأيمن، حيث يصبح الألم متواصلا تقريبا وتزداد حدته مع الحركة والتنفس العميق والسعال والعطس والمشي أو ملامسة منطقة اسفل البطن.
واحصائيا، تعتبر التهابات الزائدة الدودية من أكثر الحالات المرضية شيوعا على مستوى العالم.
وفي حال التهابها لأي سبب، فإنه لا بد من التدخل لمعالجة ذلك الإلتهاب إذ إنه لا يتلاشى من تلقاء نفسه.


استئصالها

لأن معظم التهابات الزائدة تكون لها مضاعفات خطيرة وتكون مرشحة للتكرار لاحقا بعد معالجتها بالمضادات الحيوية، فإن الأطباء يفضلون استئصالها جراحيا في أكثر من 90 في المئة من الحالات. فبعض الالتهابات قد تؤدي إلى انفجار الزائدة الدودية، وقد يؤدي التلوث الناجم عن ذلك إلى الوفاة في الحالات الحادة.
ويتم استئصال الزائدة الملتهبة بإحدى الطريقتين الجراحيتين التاليتين:


الجراحة المفتوحة

بموجب هذه العملية، يجري الجراح في هذه العملية شقاً صغيراً طوله من 4 إلى 5 سنتيمترات عبر الجلد مرورا بعضلات جدار البطن من خلال الغشاء البريتوني، ليظهر( المصران الأعور) الذي تتفرع منه الزائدة.
عند ذلك يقوم الجراح بإزاحة الأمعاء الدقيقة جانبا بحذر حتى تظهر له الزائدة الملتهبة، فيربطها بخيط جراحي خاص ويستأصلها ثم يطوي الأطراف في داخل (المصران الأعور) ،ويقوم بخياطتها جراحيا قبل أن يغلق الشق الجراحي البطني بالتدبيس الجراحي أو بالخياطة.


جراحة المنظار

بموجب هذه الطريقة التي لا تحتاج إلى فتح شقوق جراحية كبيرة، يستخدم الطبيب المعالج منظار جراحيا مزودا بكاميرا لرؤية التجويف البطني من الداخل أثناء قيام الجراح باستئصال الزائدة. والمنظار الجراحي هو عبارة عن أنبوب معدني طويل ذي عدسة متصلة بكاميرا تلفزيونية تسمح للجراح بإجراء العملية مستخدما أدوات جراحية خاصة ،وهو ينظر إلى شاشة تلفزيونية ترصد له تفاصيل ما يحدث داخل بطن المريض. وتعتبر هذه العملية خيارا أكثر أمانا من العملية المفتوحة.وعادة، يكون القرار مشتركا بين المريض والطبيب في اجرائها.


تحذير... دوائي

في كل الأحوال، ينبغي على المريض أن يتقيد حرفيا بإرشادات الطبيب المتعلقة بالأدوية التي يتعاطاها بعد الخضوع لجراحة استئصال الزائدة. فمن المحتمل حدوث مضاعفات عكسية خطيرة في حال قيام المريض من تلقاء نفسه – ومن دون استشارة طبيبه المعالج – بتعاطي عقاقير أو أدوية أو وصفات عشبية أو ما شابه ذلك.

نسيج الزائدة... للترقيع الجراحي!

في تطور بحثي ينطوى على بشارة طبية جديدة، نجح جراحون أميركيون حديثا في اكتشاف فائدة علاجية مهمة جدا للزائدة الدودية، إذ أثبتوا من خلال عمليات جراحية أنه من الممكن نقل وزراعة نسيجها لترقيع جدران المثانة البولية في حال تمزقها، وأيضا لترميم العضلة العاصرة الكائنة ضمن القناة البولية.
هذا التطور المهم يعني أن الزائدة الدودية السليمة باتت تعتبر بمثابة «قطعة غيار» بيولوجية، إذ إنه في حال إصابة شخص بتمزقات في مثانته أو في عضلته العاصرة فإنه أصبح من الممكن عندها استئصال زائدته الدودية واستخدام نسيجها لترميم وترقيع تلك التمزقات بأمان كامل ومن دون التخوف من خطر رفض جسم المريض لذلك النسيج الترقيعي المزروع.

حقائق علمية سائِدة ... عن «الزائِدة»

• في حالات نادرة، تكون لدى بعض الأشخاص زائدتان دوديتان، وقد يولد آخرون من دون زائدة أصلا، وفي حالات أكثر ندرة تكون زائدة بعض الأشخاص في الجهة اليسرى من أسفل البطن.
• يتقلّص حجم وطول الزائدة الدودية مع تقدم العمر.
• هناك وعاء دموي خاص يغذي الزائدة الدودية.
• يتغير موضع تمركز الزائدة الدودية موقتا لدى النساء خلال فترة الحمل، حيث يتسبب ضغط الرحم عليها في دفعها إلى أقصى الخلف أو صعودا إلى أعلى حتى تقترب من الحجاب الحاجز احيانا.
• ليست جميع حالات التهاب الزائدة الدودية تستوجب استئصالها جراحيا بالضرورة، لكن التهابها يستدعي تدخلا سريعا وعلاجات معينة لكبح تفاقمه.
• في حالات معينة قد يقرر الطبيب المعالج استئصال زائدة مريض احترازيا، خصوصا إذا كان المريض يعاني أمراضا مناعية معينة تجعل جسمه غير قادر على الصمود في وجه أي التهاب مفاجئ.
• تتضاعف احتمالات الإصابة بالتهاب الزائدة الدودية لدى من يعانون من الإمساك المزمن والقولون العصبي.
• من أبرز أعراض التهاب الزائدة الدودية أن تشعر بنوبات ألم حاد متكررة حول سُّرَّتك.
• من أفضل طرق تفادي الإصابة بالتهاب الزائدة الدودية أن يواظب المرء على تناول الأغذية الغنية بالألياف.
• لدى الإناث، تتشابه أعراض التهاب الزائدة الدودية مع أعراض التهاب الحوض وأعراض الحمل خارج الرحم، وأعراض آلام التبويض.
• فترة النقاهة من جراحة استئصال الزائدة الدودية تتفاوت من مريض إلى آخر اعتمادا على صحته العامة ونوع الجراحة، إذ ان فترة النقاهة تكون أقصر عند الاستئصال بمنظار جراحي. وتطول فترة النقاهة لدى المريض الذي تكون زائدته قد انفجرت في بطنه قبل استئصالها.
• المضاعفات الجانبية الأكثر شيوعا لجراحة استئصال الزائدة الدودية هي: النزيف الداخلي بعد الجراحة، ونشوء ناسور (ناصور).
• طول الجزء الذي يتم استئصاله يعتمد على تقدير الطبيب بعد اجراء الفحوص التشخيصية، إذ قد يقرر الطبيب في بعض الحالات استئصال جزء من نسيج المصران الأعور مع الزائدة الملتهبة كي يضمن التخلص من جميع الأنسجة الملتهبة.

إحصائيات... وأرقام

• وفقا لما كشفت عنه سجلات طبية معتمدة، الذكور أكثر عرضة من الإناث للإصابة بالتهاب الزائدة الدودية على مستوى العالم.
• تشير احصائيات معتمدة من منظمة الصحة العالمية إلى أن عمليات استئصال الزائدة الدودية هي الأكثر شيوعا على مستوى العالم.
• عالميا، يُصاب 10 من بين كل 2000 شخص بأحد أشكال التهابات الزائدة الدودية خلال حياتهم. ومن بين كل 100 إصابة مؤكدة، يكون هناك اشتباه في كون 3 حالات سرطانية المنشأ أو مرشحة للتحول إلى سرطانية.
• يتباين طول الزائدة الدودية من شخص إلى آخر بين 2 و 20 سنتيمترا، لكن متوسط طولها عالميا يبلغ 10 سنتيمترات تقريبا. ويتراوح قُطرها عادةً بين 7 و8 مليمترات.
• وفقا لسجلات طبية رسمية، كان طول أطول زائدة دودية تم استئصالها من مريض في زغرب في كرواتيا 26 سم.
• في الحالات العادية، تستغرق عملية استئصال الزائدة الدودية نحو 30 دقيقة تحت التخدير الكلي. أما في الحالات الأكثر تعقيدا فقد يستغرق الأمر ما بين ساعتين و6 ساعات أو أكثر أحيانا.

مستندات لها علاقة

الصور

  • شارك


اقرأ أيضا