الليرة اللبنانية وشقيقتها السورية تُلازمان مسار رحلة السقوط الحرّ

تهريب دولار وبضائع... وبيروت موّلت اقتصاديْن

  •  الليرة اللبنانية تعدت عتبة 4 آلاف لكل دولار... والسورية ناهزت الألفين 

  • سلامة: 4 مليارات دولار استُنزفت من الاحتياطي الأجنبي لتمويل استيرادٍ لا يحتاجه السوق اللبناني

على قاعدة تَلازُم المسار والمصير، تَجْري المسألة النقدية في لبنان وسورية في اتجاهٍ متشابهِ المَعالم إلى حد التطابق غالباً، بحيث تشارك الليرةُ السورية الليرةَ اللبنانية في رحلة السقوط الحرّ، عبر هبوطٍ قياسي يتدرّج من قعرٍ إلى قعرٍ يومياً.
وتبقى محطة الوصول مجهولة للعملتين معاً، ما دامت العواصف الضاغطة مستعرة لأسباب خاصة تتصل بكل بلد، ولأسباب مشتركة تفوق الخصوصية بمفاعيلها.
ويصحّ في الربط إعادة استنباط العبارة الشهيرة التي وردت قبل عقود، على لسان الفنان الراحل نهاد قلعي (حسني البورازان - الصحافي في مسلسل «صح النوم») «إذا أردت أن تعرف ماذا يحصل في إيطاليا فعليك أن تعرف ماذا يحصل في البرازيل».
فما تعانيه الأسواق النقدية في لبنان وسورية مُتلازِمٌ بظاهرية لافتة، رغم البون الشاسع في طبيعة النظاميْن الاقتصادي والمالي والفوارق الجوهرية بين الصيرفة الحرة وتلك المقيَّدة، إذ لطالما كان لبنان علامةً مصرفية مميزة في المنطقة والمُلْتَزِم بالمعايير الدولية لهذا القطاع الإستراتيجي، بينما لم تشهد سورية سوى بداية تَمَصْرُفٍ خاص حقيقي قبل عقدين، ولم يلبث «ربيعُها» في 2011 أن قوّض غالبية ركائز التجربة.
ويشرح مرجع مالي لـ«الراي» جانباً من المستجدات التي أوثقت الرباط بين العملتين، وشدّت الخناق على الاقتصاديْن المتحوّليْن إلى قاعدة نقدية متحكّمة، ففي لغة السوق الرقمية، كاد «زغل» المؤثّرات في سعر النقد يصمد لفترة أطول لولا اندلاع «الثورة» الشعبية في لبنان في 17 أكتوبر من العام الماضي. ولكن منذ هذا التاريخ يجري إماطة اللثام بوتيرة متسارعة عن حقيقة المشهد الخلْفي للركائز المالية اللبنانية، التي كانت تتكفل بتغطية الفجوات في البلديْن.
وسريعاً تعدت الليرة اللبنانية عتبة 4 آلاف لكل دولار من مستوى 1520 ليرة، وفي الخطّ الموازي ناهزتْ شقيقتُها السورية عتبة الألفين للدولار صاعدةً من مستوى يقارب 900 ليرة نهاية العام الماضي.
وتعزّزت تباعاً سيطرة السوق الموازية على مجمل العمليات للمبادلات النقدية في السوقيْن، واستنسخ لبنان تجربة سورية الأطول (منذ ربيع 2011) في تسليم الدور المفصلي في سوق القطع الحقيقية إلى الصرّافين والمُضارِبين ومنْحهم صفة «صنّاع السوق».
وبذلك تولّوا قيادة التسعير اليومي للعملات باستغلالٍ «مفتوح» لتقلُّص إمكانات البنك المركزي اللبناني، على التدخل في سوق القطع لحماية السعر الرسمي المعتمَد بنحو 1520 ليرة، وشبه انعدام الإمكانات لدى البنك المركزي السوري الذي يعتمد سعراً رسمياً عند 500 ليرة لكل دولار.
وفي الربْط بين السوقيْن، ليس عابراً تنويه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في إطلالته رداً على تهمة «الغموض المريب» في الأداء التي وجّهها إليه رئيس الحكومة حسان دياب، إلى أن «هناك 4 مليارات دولار استُنزفت من الاحتياطي الأجنبي (سنوياً) لتمويل استيرادٍ لا يحتاجه السوق اللبناني».
وتفسير هذه الإشارة سهل «غير ممتنع»، بل هي مصارحة «متأخّرة»، بأن عبء التمويل الملقى على احتياطات لبنان من العملات الصعبة يلبّي الاحتياجات الأساسية الخاصة بالبلد، وحصةً وازنةً من الاحتياجات الخاصة بالأسواق السورية. وفي زمن «القلّة» التي ولّدت الكباش بين دياب وسلامة، أصبح يسيراً الجهر بما يعلمه القاصي والداني حول ظمأ السوقيْن للدولار، والاتكاء على النُذر القليل المتوافر منه لدى القطاع المالي في لبنان.
واستتباعاً، خرجت قضية التهريب عبر عشرات المعابر بين البلديْن إلى العلن، وزادتْ تفاعلاً مع الكشف عن تَبادُل تجاري واسع النطاق بين البلدين بصورة غير مشروعة، ورأس جبل الجليد فيه، نقْل نحو مليوني ليتر من مادة المازوت المدعوم يومياً من لبنان إلى سورية.
ثم جرى تسليط الضوء على تهريب الطحين المدعوم أيضاً، ما يكلف لبنان نحو 500 مليون دولار سنوياً، بينما زادت الشبهات رسوخاً حول محركات موجاتِ التلاعب والطلب غير العادية على الدولار الورقي «البنكنوت» لدى شركات الصرافة في بيروت، وهو الملف الذي استدعى تَحَرُّك النيابة العامة المالية، وتوقيف عشرات الصرافين ومدير العمليات النقدية في البنك المركزي ومُساعِده.
في السياق، أمكن لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري المشاركة في صحوةِ المصارحة، فحين سُئل خلال دردشة صحافية عن سبب عدم قفْل معابر التهريب في عهد حكومته أجاب «لم أكن قادراً على قفْل الحدود بسبب مصالح موجودة على الحدود بين السوريين، وبين مَن يعملون معهم وهم أكبر مني وأنتم تعرفونهم جيداً، وهناك أحزاب تعمل في هذا الإطار وجزء منها (حزب الله)، وتجار لبنانيون كبار يستفيدون من هذه الحركة لتهريب المازوت والطعام وغيره، كما هناك آخَرون استفادوا من ذلك، وقد حاولنا في السابق أكثر من مرة والآن عسى أن يتمكنوا من وضع حد للتهريب».
وتحوز قضية التهريب أولوية حالياً ضمن قائمة المسائل الشائكة في مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي، كما أنه موضع تجاذبات سياسية واقتصادية وشعبوية يغلب عليها مضمون «المزايدات» التقليدية، التي تسري على مجمل المواضيع الداخلية في ظل الانقسامات المعهودة، إذ ليس من المؤمل أن ترسو المعالجات على بر «آمن»، نظير التشابك العميق والمتشعب في التاريخ والجغرافيا. ولا تبدو الأمور مُغايِرةً كثيراً في المسألة النقدية، فإذا كانت الخصوصياتُ قد حكمت سعر الصرف لكل بلد حتى قبل أشهر، فإن «عوَز» البلدين إلى «فلس» الدولار، يحكم وضعهما في مسار واحد.
وريثما يستعيد البنكان المركزيان سلطاتهما على النقد وأسواقه، سيحتفظ أصحاب المصالح والمضاربون بقدرات نقل «البنكنوت» بين السوقيْن وتحديد الأسعار وفق التطورات الخاصة بكل بلد.

المسيرة النقدية
يرد في ملخص للمسيرة النقدية اللبنانية قبل نشوء البنك المركزي العام 1964، «قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الليرة العثمانية وكانت تسمى (العثملي) هي المتداوَلة في لبنان، وبعد انهيار الدولة العثمانية، اعتُمد الجنيه المصري، ولذلك، تُسمى النقود باللهجة اللبنانية (مصاري)». وعند الانتداب، أدخلت فرنسا عملة موحدة في سورية ولبنان وسمّتها «الليرة السورية»، وارتبطت بالفرنك الفرنسي بحيث كانت قيمة الليرة تعادل 20 فرنكاً، وكان يصدرها «بنك لبنان وسورية».
وفي العام 1924، بدأ لبنان بإصدار عملته المعدنية الخاصة، وأتبعها العام 1925 بإصدر عملته الورقية، وفي العام 1939 انفصلتْ الليرة اللبنانية عن شقيقتها السورية بشكل نهائي مع إبقاء العلاقة بالفرنك الفرنسي، ثم استقلّت الليرة اللبنانية عن الفرنك عام 1949».

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا