الهجوم التركي على روج آفا: إيران لم تعد هدفاً لأميركا في سورية

على الرغم من أن الهجوم التركي على أكراد سورية في الشمال - الشرقي من البلاد يقتصر بأهدافه على مساحةٍ عرْضها 32 كيلومتراً، إلا أنه سيحقق أهدافاً متعددة إذا التزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالاتفاقات المُتَفاهَم عليها مع أميركا وروسيا للسماح لقوّاته بغزو سورية.
فأميركا كانت واضحة: تركيا لم تعْبر الخط الأحمر المرسوم لها، ما يدل على اتفاقٍ مسبق في شأن التوغل التركي. ودعت روسيا إلى وحدة الأراضي السورية. ولم يعارض أحد من الدولتين أو دان الحليفَ الإستراتيجي.
وقد تُقَلِّلُ تركيا من أهدافها الأولية بحسب الضغط الذي سيتعرّض له الرئيس دونالد ترامب لتخلّيه عن «الحليف» الكردي. إلا أن العديد من الدول تستفيد من هذا الهجوم الذي يذهب بالأميركي رويداً نحو الحدّ من وجوده في سورية. ولم تعد إيران هي سبب الاحتلال الأميركي لشمال - شرق سورية ولا لبقائها في معبر التنف الحدودي. وبالتالي فإن الوجود الأميركي من غير المتوقَّع أن يبقى لسنواتٍ مقبلة.
وكانت القوات التركية مدعومةً من جهاديين يعملون تحت راية «الجيش الوطني» هاجمتْ المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون الأكراد والتي أطلقوا عليها اسم «روج آفا».
وتسكن غالبية هذه المناطق التي تهاجمها تركيا قبائل عربية - ليس حصراً - ترحّب بالقدوم التركي. وهذا عامِلٌ مهمّ لأنه يوجِد بيئةً غير مُعادِية. وهذه العملية بعيدة عن التطهير العرقي لأن مساحة المنطقة التي تحتلّها أميركا (في شمال - شرق سورية) أكبر من مساحة دول الكويت وقطر والبحرين ولبنان، أي حوالي 43 ألف كليومتر مربع. وبالتالي يستطيع الأكراد الانسحاب نحو الداخل الأكثر أمناً.
وسيسمح الاحتلالُ التركي لمنطقةٍ عرضها 32 كيلومتراً بتثبيت اللاجئين السوريين الذين يعيشون في تركيا (نحو 3.6 مليون) داخل هذه المنطقة وآخَرين من الممكن أن يأتوا من إدلب هرباً من المعركة الآتية.
أما الحكومة السورية فموقفها أقوى في ما يتعلق بالتفاوض مع الأكراد، أكبر الخاسرين. فمسؤولو دمشق يدركون أن أكراد سورية سيتعرّضون إلى التهجير وستتخلى أميركا عنهم. ولذلك فهم - أي الأكراد - أصبحوا في موقفٍ أضعف يفاوضون مستقبلاً تحت النار أو سيقبلون بشروط دمشق عندما يحين الوقت للتفاوض: فإما يقبلون بشروط الحكومة السورية أو يتعرّضون للتهجير من قبل تركيا أو يعبرون الحدود إلى العراق للعيش تحت حكم البرزاني.
وستذهب تركيا إلى أستانة بجعبةٍ ممتلئة مع وجود منطقةٍ واسعةٍ تحت سيطرتها، ما سيسمح لها بالوفاء بتعهداتها والتخلي عن الجهاديين في إدلب لمصلحة القوات السورية - الروسية. ومن المتوقّع أن تُعقد جلسة في 29 الجاري - إذا لم تؤجَّل بسبب المعارك - للجنة الدستورية لمناقشة الإصلاحات. وتهدف أنقرة الى وضْع الحلّ السوري على المسار الصحيح ما سيعطي أميركا العذر للانسحاب بمجرّد أن يتفق الأطراف على هيكلية الدستور وتطبيقه.
من الضروري الذكر أن تركيا لا تملك ضمانات تقدّمها حول انسحابها من سورية، هي التي فشلت بالالتزام بوعودها في إدلب منذ أكثر من عام.
وعلى الرغم من هذه الأحداث، لم تعلن القبائل العربية ولا الأكراد الحرب على دمشق منذ العام 2011. وقد حافظ الجيش السوري على وجود قوي في الحسكة وهو يسيطر على مطار القامشلي. وبالتالي فإذا رفضتْ تركيا الانسحابَ عندما يحين الوقت، فإن دمشق تستطيع تسليح السكان وإطلاق العنان لمقاومةٍ إذا استُبدل الاحتلال الأميركي بالتركي.
لقد وصلتْ الحربُ السورية إلى مفترقِ طرقٍ ولم تعد دول المنطقة تملك أي نية لدعم أي فصيل وهي ترغب باستعادة العلاقة مع سورية.
وتسيطر حكومة دمشق على نصف البلاد التي يعيش فيها نحو 70 في المئة من السوريين. وقد فُتحت الحدود بين العراق وسورية وكذلك مع الأردن. وفَقَدَ «داعش» كل خياراته ليبقى قوة خارجة عن القانون يسكن مُقاتِلوه صحراء العراق وسورية ويبحثون عن بعض المجد المفقود وهجماتٍ استعراضية من دون أي هدفٍ إستراتيجي.
من جهتهم، تعرّض الأكراد لضربات قاسية ولم يتعلّموا الدرس المطلوب أبداً. وهم ما زالوا يسيطرون على منابع الطاقة التي تريد دمشق استردادها.
أما إيران فهي باقية في سورية، حتى ولو حان وقت رحيلها، فهي أوجدت روابط قوية لها في سورية ولن تستطيع أميركا فعل أي شيء تجاه ذلك. لقد خسرت واشنطن وحلفاؤها الحرب وفازت روسيا وحلفاؤها.
أما بالنسبة إلى إسرائيل فقد استطاعت قصْف مئات الأهداف من دون تحقيق أي هدف إستراتيجي. إذ لم يتغيّر أي شيء على الأرض السورية ما عدا توفير دعاية إعلامية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويملك «حزب الله» أحدث الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة وحتى الصواريخ البحرية الروسية - الإيرانية.
وبعد الهجوم الحوثي أثبتتْ هذه الصواريخ والمسيّرات فعاليتها التدميرية، وتحتاج سورية إلى جهدٍ ضئيل لاستعادة الجولان عندما يحين الوقت.
لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مقتصرة على عرْض العضلات والقوة العسكرية الهائلة لأن الجميع أصبح يملك قدرات حديثة وأسلحة نوعية وتكنولوجيا متقدّمة. الحرب الحقيقية أصبحت اقتصادية في ظل تَراجُع عنصر التفوق العسكري. وهذا يشمل تركيا أيضاً إذا قرّرت البقاء في سورية لأمد طويل.
ولم تتضرّر سورية ولا روسيا ولا إيران بسبب التوغل التركي. فخروج أميركا - الخطر الأكبر بنظرهم - أهمّ عنصر في الحرب القائمة وخصوصاً أن واشنطن تخسر حلفاءها على الأرض بسبب مواقفها.
فقد أضرّت هذه الإدارة بشكل كبير بالعلاقات الأميركية في المنطقة لسنوات. وهناك أطراف جدد يفرضون أنفسهم ولا يجبرون حلفاءهم على الخضوع مثلما تفعل أميركا. وبمجرد انسحاب الولايات المتحدة من سورية فإن نفوذها ذاهِبٌ معها إلى غير رجعة.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا