الحضارة

ضوء

الشرق أصل الحضارة، الديانات السماوية وغير السماوية انبثقت منه، وخرج جميع الأنبياء من الشرق، وبنورهم المشع اهتدى الغرب، لقد خرجت الحضارة من الشرق وتمخضت عنه، وبالأخص ظهرت من وادي العرب، الذي يشمل الجزيرة العربية والعراق ومصر ودول الشام، وهاهو الغرب يحاول منذ قرون هدم الحضارة المشرقية، منذ الإمبراطورية الرومانية حتى البريطانية، وصولاً إلى الإمبريالية الأميركية المتصهينة.
إن ما حدث في العراق وسورية من دمار متعمد وشامل للتراث الإنساني، سواء بشكل مباشر من قبل الصهاينة، أو عن طريق جهات هم صنعوها، وما حدث منذ فبراير 2015 وحتى الآن على يد داعش وباقي الجماعات الارهابية المتطرفة، من جرائم ضد الإنسانية لهو دليل على ما نقول، وشاهد على ما تقترفه الأيدي الصهيونية المتأمركة لطمس الحضارة المشرقية.
فما إن تحط جيوشهم على الأرض العربية، حتى يعملوا قبل أي شيء على سرقة الآثار، وكل ما لا يستطيعون سرقته يتم تحطيمه وهدمه، وهذا ما فعلوه في متاحف بغداد والموصل، وتجريف مدينتي النمرود والحضر الأثريتين، والأمر نفسه حدث في سورية، فكل ما استطاعت يدهم أن تطاله تمت سرقته وشحنه إلى الغرب، وكل ما لم يستطعوا سرقته يتم تدميره، كما فعلوا في تدمر ومعلولة والمدن السورية الأخرى، هدموا المساجد والكنائس العريقة، نماذج محزنة وقبيحة، لكنها واضحة للعيان وتؤكد ضلوع الصهيونية والماسونية في الأمر.
تلك الآثار التي تجاوز عمرها آلاف السنين، ومرت عليها عشرات الإمبراطوريات والدول، وبقيت تصارع الزمن، ويأتي الآن من يريد أن يجتثها من جذورها ويمحوها عمدا مع سبق الإصرار والترصد.
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالته السامية السمحة، ومن بعده الخلافة الراشدة، وكل الدول الإسلامية فيما بعد، وظلت هذه الآثار باقية راسخة شامخة، ولم يمسسها أحد من كل ذلك السلف الصالح، ليأتي هؤلاء الصهاينة الذين تلبسوا عباءة الإسلام، فيعيثون في الأرض خراباً وفساداً، ليهدموا الحضارة العربية، وليمسحوا كل ما له علاقة بالحضارة من ذاكرة الشعب، ومن عقول الأجيال الحاضرة والقادمة.
وللأسف بعض الدول العربية لا يمكن أن نطلق عليها دول مؤسسات وقوانين، بل دول أفراد وخلفهم القبائل والعشائر، فإذا انهار الفرد، انهارت الدولة كلها، وأمام أعيننا ما حدث ويحدث في العراق وليبيا واليمن وغيرها.
وللأسف يخرج علينا العملاء المتلبسون بعباءة الدين، بخطاب ديني إعلامي يخدم الأغراض الصهيونية على لسان ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين الإسلاميين، فأحدهم يجاهر قائلاً بأنه مع التكفير، وبأن داعش من أنقى أهل الأرض! ويخرج آخر ليفتي بصحة ما فعلته داعش في الموصل وحلب، ويدعو إلى هدم وإبادة الأصنام.
إن من يُحرّك حطب الشطرنج يُقسّم البشر الذين يحققون أهدافهم إلى نوعين، الأول من تكون دوافعه المال، والثاني من تكون دوافعه العقيدة النابعة من الجهل، والنوع الثاني يُستغل أكثر لتنفيذ المخططات الدنيئة من أجل هدم حضارة الشرق.
نرى متاحف الغرب تعج بمسروقات الشرق من نفائس، والبعض يقول إن علينا أن نشكر الغرب لأنهم حافظوا على حضارتنا، بل ويدّعى بأنه لولا الغرب ما عرفنا قيمة حضارة الشرق! ونحن لا نؤيد هذا الرأي بتاتا، مع إننا ننظر إلى الحضارة بعيون إنسانية شاملة، لكن أن يتم سرقة وهدم كل ما له علاقة بالحضارة في الشرق بتعمد وبمخططات وخطط منهجية مدروسة، فذلك يجب أن نعي له ونفتح أعيننا جيدا لكي نحمي حاضرنا ومستقبل أجيالنا.
لذلك الويل لنا إن فرطنا بحقنا التاريخي في إرثنا الحضاري المسروق من أرضنا العربية والمتناثر في كل بقاع الأرض الغربية.

aalsaalaam@gmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا