أول الغيث... كتاب

مشهد
  • 14 أكتوبر 2019 12:00 ص
  • الكاتب:| د. زياد الوهر |
  •  10

منذ ما يقارب العام صدر كتابي الأول وهو بعنوان «رشفات من رحيق كتاب»، عن دار الفارابي في بيروت وهو كتاب أوجزت فيه رأيي الشخصي في عشرين كتابا قرأتها، وارتأيت أن أعرضها على القارئ العربي نظرا لما تركته من أثر بالغ في فكري وثقافتي ونظرتي للحياة من زاوية مختلفة عن تلك التي اعتدتها طوال حياتي.
مرّ عام كامل تلقيت فيه العديد من الاتصالات والرسائل الإلكترونية، التي في بعض منها كان داعماً ومؤيداً لوجهات النظر المطروحة، في حين أن البعض ارتأى أن تلك الأفكار قد عفى عليها الزمن وطوتها الأيام، وأصبحت أثراً بعد عين.
كان هذا النوع من الحوار هو هدفي وغاية مناي، فالكتاب الحي هو الذي يحرك المياه الراكدة، وهو الذي يشعل النقاش ويزيد الحماسة تارة وينقصها مرة أخرى. ولو سألت أي كاتب الآن عن أكثر كتبه نجاحاً لقال لك دونما تردد أنه الكتاب الذي أثار الكثير من الحوار واللغط، وليس الكتاب الذي حقق أعلى نسبة من المبيعات والأرباح.
الكاتب حين يكتب يعيش حالة داخلية من الصراع بين الأفكار التقليدية والثورية الجديدة التي تنغص عليه حياته، فطبع الإنسان يميل دائماً إلى الهدوء والسكينة ولا يميل إلى القرارات الثورية التي قد تحدث تأثيراً يغير حياته من ألفها إلى يائها، ولكن المبدع يعرف يقينا أن الأفكار التقليدية هي حبل يربط به نفسه أو قيد يشد وثاقه فيمنعه من الإبداع والتغيير، خشية ردود الأفعال في المجتمع الذي يحيطه إن كان على مستوى الأسرة أو على مستوى الدولة.
وأياً كان الأمر فالإبداع ينشأ من رحم المعاناة والخروج عن الأعراف والتقاليد، التي تقيد الفكر وتحد من التميز على أن يؤخذ في الحسبان ألا يتم التعدي على الثوابت الدينية والوطنية، فهذا بالتأكيد لن يكون إبداعاً بقدر ما هو حماقة وسلوك أخرق.
الكاتب المبدع هو من يحول الأفكار الميتة إلى كيان حي يبث فيه الحياة، فينمو ويزهر أما التكرار والنمطية التقليدية فإنها مدعاة للإحباط وتثبيط الهمم، ولذلك فإنك تجد كاتباً قد لمع اسمه وزاد مريدوه، فقط لأنه عرض أفكاراً تقليدية بشكل حداثي متطور استطاع من خلالها أن يحرك الوسط الثقافي، وأن يثير حوله الكثير من النقاشات التي تثري العقل وتغذيه بعيدا عن الترهات والخزعبلات.
أن تكتب يعني أن تبدع وأنت حين تقدم عصارة أفكارك للآخرين كأنك تشاركهم بها، في معادلة تفاعلية بين الطرفين لا بد لها من نتائج إيجابية، وقد لا تخلو من السلبية، ولا ضير في ذلك، فهذه هي سنة الحياة وفائدة التعددية الفكرية في المجتمع الواحد.
كانت تجربتي مع الكتابة وطباعة الكتاب تجربة ثرية بكل معنى الكلمة، ولقد قررت أن أخوضها مرة ثانية وثالثة وأنا سائر في ذلك الدرب حتى نهايته، فمع كل سطر أكتبه أشعر بأن لديّ رسالة يجب أن أؤديها وهدفاً أرنو إلى تحقيقه، وأملاً في تغيير نافع وإصلاح لما أفسدته الأيام ودمره أشباه المثقفين، وبعض الأعراف والتقاليد التي أكل الزمان عليها وشرب، وحوّلنا إلى إمعات لا نستطيع الخروج من هذه الدائرة المحكمة الإغلاق.
أنا ابن هذه الأمة العربية، وأعرف يقيناً مثلما يعرف الكثيرون أن ما نريده هو هامش قليل من الحرية في الطرح، والجرأة في العرض والحصانة من الاعتقال والحماية من تنمر الجهلة وأرباب الفكر المتطرف والعنصرية البغيضة.
منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا انهارت العديد من القيم والثوابت، واخترق صفوفنا الأعداء وتغيرت العديد من المفاهيم، ودخل على ثقافتنا الكثير من المفاهيم المغلوطة والأفكار الملوثة، مثل الإلحاد والكفر بالأمة العربية ومصيرها المشترك، فسهل على الأعداء اقتناصنا الواحد تلو الآخر، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من تعثر وتبعثر وضياع.
فإلى كتاب آخر أتبادل فيه معكم بعض ما يدور في ذهني، وحتى ذلك الحين أرجو لكم قراءة موفقة واختياراً جيداً لكتاب ترتقون به ومعه إلى عوالم المجد والنجاح، وتصعدون به خطوة خطوة من أجل مستقبل نعيش فيه بسلام وأمان.

z_alweher@hotmail.com

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا