سر ثقافتي وتخلّف صديقي

رؤى

كما تعلم يا صديقي، انا شخصية براغماتية لا أملك الوقت للراحة، يومي كله عمل دائم أجري وراء الحقيقة وأبحث عن المعرفة العميقة، لا أحب الفنون التشكيلية السطحية، ودائماً ما أغوص في أعماق الفن الذي يرمز إلى أفكار ذات أبعاد ميتافيزيقية، أكره المغالطات المنطقية في النقاش وافهمها جيداً، أما البروبغندا الإعلامية فلا تمر عليّ مرور الكرام، وأعلم يا صديقي أنك تحلم بأن تصبح مثلي ودائماً ما تفكر كيف صرت على ما أنا عليه، ولأنني ذو شخصية مميزة قررت أن أخبرك عن سر ثقافتي الفذة وأزودك بالخلطة السرية لتصبح مثقفاً فذاً مثلي.
في الحقيقة يا صديقي أنت لست بحاجة إلى قراءة عشرات الكتب وخوض العديد من التجارب حتى تصبح مثقفاً، ولا حتى أن تنهك نفسك في البحث العلمي او الجري وراء شتى المعارف، فالأمر لا يعدو بضع دقائق تدخل بها إلى محرك البحث غوغل وتكتب عبارات ثقافية ومصطلحات فلسفية وتنسخها ثم تحفظها جيداً وتعرف متى تستخدمها، بعد ذلك أستطيع أن أقول لك ألف مبروك يا صديقي العزيز، قد غدوت مثلي فذاً شريطة أن تطبق ما سأكتبه لك بالتفصيل الممل.
يجب أن تعلم أن الإنسان المثقف هو شخص مختلف يستخدم عبارات لا ينطق بها عامة الناس، يتحدث بالأدب والمفردات الفلسفية، وبمعنى آخر ليس هناك أي مشكلة بأن تستخدم الأفكار نفسها التي يتحدث بها من تعرفهم أو من يتابعوك في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن احرص على تغيير العبارات واستخدام الفلسفية منها بدلاً من العامية واستشهد بأقوال فلاسفة غير معروفين.
صور أغلفة الكتب التي لا تفقه منها شيئاً وأنت ممسك بفنجان القهوة، واحذر أن تقول اشرب القهوة بل قل ارتشفها أو احتسها، وإذا ذهبت مع أصدقائك إلى مقهى أو مطعم اطلب أشياء غريبة الأسماء مشتقة من المفردات اللاتينية أو الإيطالية، وتحمل يا صديقي طعمها السيئ، فالثقافة تحتاج إلى تضحية ولا بد أن يكون ذوقك مختلفاً ويجب أن تشعر من حولك بذلك.
عليك أن تعي يا صديقي العزيز حتى وإن كنت تعرف عشرين معنى لكلمة معينة في اللغة العربية، لا تتردد بنطقها بالإنكليزية، وأن تدعي أنك غير متأكد من معناها بالعربي، واطلب ممن حولك مساعدتك في ذلك، ثم فاجئهم بأنك استحضرت أكثر من معنى لها بالعربي!
احذر يا صديقي أن تنتحر ثقافياً وتهتم في الرياضات الشعبوية، فالرياضة واللعب والمرح للأشخاص الذين يملكون أوقات فراغ، وأنت الوقت يداهمك من كل جانب، وإذا فرغت فأنت تريد أن تفكر وتتأمل لتصفي ذهنك من زحمة العلوم والمعارف، وإذا قررت أن تمارس الرياضة فأنت تحب لعب الغولف والجري الخفيف على الشاطئ لطرد الطاقة السلبية، بمعنى آخر إذا وجدت عامة الناس قد اجمعوا على جمال شيء أو أي نوع من أنواع الفنون عليك أن تدعي أنك غير مهتم حتى ولو كان يعجبك.
أما إذا كنت يا صديقي تريد أن تتجاوز ثقافتي الفذة، فقم بتأليف رواية عن حُب المصلحة وحَب الشباب أو كتاب عن روعة البقدونس مع طبق الفول مثلاً، ثم اشتر شهادة دكتوراه مزورة في علم فلسفة حبيبات البطيخ، ولكن للأسف يا صديقي أنا لا أعلم طريقة الحصول على ذلك، ولكنني متأكد أنك لن تضلّ الطريق، وستجده أسهل بكثير من حفظ دروسي الثقافية.
وأخيراً ركز جهدك على مواقع التواصل الاجتماعي، وحذار أن تطيل الجلوس في المنتديات الاجتماعية والدواوين حتى لا تنكشف ثقافتك الهشة والجوفاء، وغادر في أول فرصة سانحة وادعي أنك تعاني من ازدحام في المواعيد أشبه بازدحام الأفكار في رأسك.
... اقترب يا صديقي العزيز، اقترب ولا تُصدم... أريد أن اخبرك بسر، ولكن أرجوك ألّا تخبر به أحداً حتى لا أنكشف وتنكشف «جوفائيتي»، في الحقيقة أنا تعبت يا صديقي من كوني مثقفاً وتعبت من التمثيل والزيف الاجتماعي ومن الفراغ الداخلي، ليتني أعود طفلاً متسائلاً أفكر في أبسط الأشياء من حولي أسأل عن كل شيء لا أعرفه، أستمع إلى أحاديث وأفكار الناس البسطاء وأعترف أنني اقتنعت فيها واستفدت منها، تعبت يا صديقي من أكل وشرب أشياء لا أحبها، حتى أن ركبتاي تؤلماني من وضعية الساق على الساق، أريد أن أعود شخصاً طبيعياً غير مرئي.
المهم... كما أخبرتك يا صديقي الثقافة تحتاج إلى التضحية والمشقة، وعليك أن تتجاهل المونولوغ والنجوى، وأن تكون ذا هالة ثقافية، حفظك الله من كل مكروه يا صديقي المتخلف، آسف اقصد المختلف.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا