من دمّر مولر؟... اسألوا غوارديولا

الفوز بالدوري المحلي 8 مرات والكأس 5 مرات ودوري الأبطال لم يعد يشفع للاعب... وما زاد الطين بلّة وصول البرازيلي كوتينيو 

لم يأتِ تخلّي مدرب منتخب ألمانيا لكرة القدم، يواكيم لوف، عن توماس مولر، قبل أشهر، سوى في إطار حلقة جديدة من سلسلة التراجع المخيف في مسيرة اللاعب.
أن يجري استبعادك عن الـ«ناسيونال مانشافت» وأنت توماس مولر وفي سن الـ29، فهذا مؤشر على «النهاية»، ربما.
بينه وبين نفسه، لا يقتنع توماس، الذي اعتبر، يوماً ما، «مستقبل ألمانيا»، حين توج هدافاً لكأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، بأنه انتهى، غير أن تراجع اسهمه في «منزله» بايرن ميونيخ، جعله يثور، كما لم يفعل سابقاً، مستنداً إلى «ما فعل»... لا إلى «ما قد يفعل».
تقارير صحافية كشفت أنه يفكر جدياً في البدء بإجراءات «الطلاق» مع النادي البافاري، خلال فترة الانتقالات الشتوية في يناير المقبل، نتيجة علاقته المتوترة مع المدرب الكرواتي نيكو كوفاتش الذي جعله خارج حساباته، بدليل عدم إشراكه إلا في ثلاث مباريات كأساسي منذ انطلاق الـ«بوندسليغا»، بمعدل 287 دقيقة فقط نجح خلالها في صناعة 4 أهداف، كما شارك لمدة 7 دقائق فقط في الجولتين الأوليين من دوري أبطال أوروبا، وسجل هدفاً.
يبدو أن الفوز مع الـ«بايرن» بالدوري المحلي 8 مرات، وكأس ألمانيا 5 مرات، ودوري أبطال أوروبا في 2013، لم يعد يشفع للاعب، وما زاد الطين بلّة وصول البرازيلي فيليبي كوتينيو معاراً من برشلونة الإسباني، وتأكيد كوفاتش على عدم إمكانية إشراك اللاعبَين معاً في المباريات.
لا يُلام مولر على ما يواجهه من مواقف محرجة ما اعتاد عليها يوماً، وهو يبدو غير مقتنع بأن مستواه تدهور تدريجياً، في السنوات الأخيرة، سواء مع منتخب بلاده أو بايرن ميونيخ إلى درجة دفعت بالجماهير إلى المطالبة بـ«ترحيله» خصوصاً أنه يحصل على 12 مليون يورو في السنة، ما يجعله بين الأعلى دخلاً في النادي الجنوبي.
مولر لم يعد «رمز» بايرن ميونيخ وانتقل مستواه المتذبذب إلى المنتخب الذي فشل في إنقاذه من أتون الخروج من الدور الأول لكأس العالم 2018 في روسيا، بعدما توج هدافاً لمونديال 2010 في جنوب أفريقيا، وبطلاً في مونديال 2014 في البرازيل.
فقد تلك اللمسة السحرية التي ميّزته وتقهقرت قيمته السوقية بشكل جنوني.
في الواقع، ليس «سقوط» مولر وليد الفترة الراهنة. فبعد تسجيله خمسة أهداف في كلٍّ من أول بطولتَي عالم خاضهما (2010 و2014)، خرج من بطولتين كبيرتين («يورو 2012» و«يورو 2016») من دون أي هدف.
وفي النادي، كان عنصراً لا غنى عنه بالنسبة إلى المدربَين الهولندي لويس فان غال الذي قال يوماً بأن «مولر يلعب دائماً»، والإسباني جوسيب غوارديولا الذي اعتمد عليه أساسياً دون أن يبني خط الهجوم حوله.
وفي عهد الإيطالي كارلو أنشيلوتي، لم يكن لمولر «موقع طبيعي» في المنظومة. حتى في فترة يوب هاينكيس الثانية، كان ظهوره، بمعظمه، يبدأ من دكة الاحتياط.
وضعُ مولر «المكهرب» تأكد من خلال ردة فعل زوجته ليزا، في الموسم الماضي، عندما انتقدت كوفاتش علناً على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتقدم باعتذارها منه.
الأرقام لا تكذب، بل تؤكد بأن توماس يعاني. ففي الموسم 2014-2015 خاض 46 مباراة سجل فيها 20 هدفاً، مقابل 32 هدفاً في الموسم التالي الذي شهد خوضه 49 مباراة.
التقهقر بدا واضحاً في الموسم 2016-2017 مع 9 أهداف فقط في 42 مباراة، قبل أن يتحسن نوعاً ما في الموسم التالي مع 15 هدفاً في 45 مباراة.
وفي الموسم الماضي، اكتفى بـ6 أهداف سجلها في غضون 32 مباراة.
زملاء مولر في «بايرن» يدركون قيمته المعنوية ورغبته في المشاركة الدائمة، وعنه يقول جوشوا كيميتش: «هو ذاك اللاعب الذي لطالما يشعل النار فينا. دائماً يتدخل عندما نمر في أوقات صعبة، وهو ثابت لا يتغير أو يغيّر أسلوبه».
في فبراير 2017، اعترف مولر بنفسه أن السبب في تراجع معدله التهديفي يكمن في معاناة الفريق بشكل عام وعدم قدرته على تقديم مستوى جيد، وأضاف: «لا يمكنني أن ألعب بكل قوتي حينما لا يكون الفريق في أفضل حالاته».
وتابع: «بالنظر إلى أسلوبي والأهداف التي سجلتها في الماضي، ترى بأنني اعتمد على زملائي بشكل كبير. لست من نوع اللاعبين الذين يصنعون فرصهم بأنفسهم، لست ذاك الذي يتسلم الكرة من منتصف الملعب ويراوغ خمسة لاعبين».
هو تصريح يكشف «شخصية» مولر الألمانية، القائمة كروياً على «الجماعية»، لكن في أبهى صورها.
لكن أين بدأت الأمور بالتحديد تأخذ منحى سلبياً بالنسبة إلى اللاعب؟
يرى كثيرون من النقاد والخبراء والمشجعين بأن نقطة النهاية كانت في العام 2016 عندما اضاع مولر ركلة جزاء «حيوية جداً» أمام أتلتيكو مدريد الإسباني، في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، ويعتقدون بأن اللاعب فقد الثقة بنفسه، منذ تلك اللحظة، وثقة الجماهير به، خصوصاً أن العملاق البافاري كان يلهث خلف اللقب القاري واعتبر، في تلك الحقبة، الأكثر جهوزية في «القارة العجوز» للهيمنة عليه.
قد يكون ذلك صحيحاً لكن من يقرأ بين السطور يرى بأن السبب يعود الى الموسم 2015-2016 تحديداً.
كان مولر لاعباً أساسياً منذ الموسم 2009-2010 مع «بايرن»، أضف إلى ذلك مشاركته في مونديالين بلغ فيهما منتخب بلاده النهائي، وبطولتَي «يورو» وصل فيهما إلى نصف النهائي.
ماذا يعني ذلك؟ يعني مباريات لا تحصى ولا تعد على أعلى مستوى. وعندما ندرك بأن مولر من اللاعبين النشطين الذين يتحركون كثيراً ويركضون كثيراً، نعي بأن اللاعب، ربما بلغ سن الـ28 وهو مستنزف، كي لا نقول منتهياً.
والأمثلة أكثر من أن تحصى عن لاعبين «انتهوا» قبل الوقت الافتراضي، نتيجة الجهود الذهنية والجسدية المضنية.
الموسم 2015-2016، كان الأخير لغوارديولا مع «بايرن» والأفضل لمولر، فقد سجل 32 هدفاً وصنع 12 في المسابقات كافة، بمعل 1.04+تمريرة حاسمة في كل 90 دقيقة.
لكن، هل أن لهذا المردود الاستثنائي ثمناً؟ وهل أنّ مولر لمع أكثر من اللازم؟
المجهود البدني الزائد والضغط الذهني يؤثران، وفي تشكيلة بقيادة غوارديولا، ستجد الاثنين معاً. أضف الى ذلك ضغط الجماهير والاعلام للفوز بدوري الابطال. هذا كله يخلق مشهداً مضغوطاً للغاية.
غوارديولا بنفسه اعترف بأن «فترتي في ميونيخ لا يجب أن يجري تقييمها على أساس الفوز بدوري الأبطال من عدمه. هذا نادٍ عملاق، مع لاعبين كلهم أصدقائي. كلنا أردنا اللقب الأوروبي لكن كان هناك الكثير من العوامل التي أثرت علينا».
مولر كان بطلاً للعالم ومسؤولية تسجيل الأهداف كانت ملقاة على عاتقه والبولندي روبرت ليفاندوفسكي، ومباراة بعد مباراة تحت هذا الضغط مع مدرب متطلب وقليل من الراحة، تأثر توماس بلا شك سلباً وبلغ الحد الاقصى من طاقته.
وعندما تقدم لتسديد ركلة الجزاء أمام أتلتيكو مدريد، تراكمت كل تلك الضغوط عليه في لحظتها، لا بل ضربته، فأضاع هدفاً «تاريخياً» على ناديه.
بالنسبة الى لاعب عادي، تعتبر اضاعة ركلة جزاء حدثاً مدمراً، ربما. أما بالنسبة الى مولر، وفي الظروف التي تواجد فيها في ذلك اليوم، فإن إهدار الركلة كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. بعد تلك اللحظة، لم يعد مولر ذاك اللاعب الذي كان عليه سابقاً.
في مطلع الموسم الراهن، رفض عرضاً ضخماً للانتقال إلى الدوري الصيني يحصل بموجبه على 25 مليون يورو سنوياً، مؤكداً عدم رغبته باللعب سوى لبايرن ميونيخ، الذي نشأ في أكاديميته، ويرتبط معه بعقد حتى منتصف العام 2021.
اليوم، تبدّلت المعطيات، ويبدو «الرحيل» قريباً، لكن لا يمكن التسليم بأمر ما مع مولر الذي لا يُقارَن حضوره بحضور أحد، سواء في الملعب أو خارجه، وهو قد «ينفجر» ليعود في أي لحظة.
وسواء ترك «أليانز آرينا» أو استمر به المقام فيه، فإن مولر سيبقى ركناً من أركان حقبة تاريخية عاشها الـ«بايرن» لا يمكن أن تحجبها إضاعة ركلة جزاء... أمام أتلتيكو مدريد.

مستندات لها علاقة

  • شارك


اقرأ أيضا